هذا الموقف الإيمانيّ العظيم ، من إبراهيم عليه السّلام ومن الّذين معه ، المقرون بصلابة جهاديّة وقوّة عزيمة ؛ موقف يستحقّ أن يجعل المتّصفين به قدوة حسنة لكلّ المؤمنين من بعدهم . فأوصى اللّه المؤمنين المسلمين في الرّسالة الخاتمة بأن يتّخذوا إبراهيم عليه السّلام والّذين معه أسوة حسنة لهم في هذا الموقف الإيمانيّ الجهاديّ العظيم . وكان هذا بعد أن هاجر الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، وبدت بين المسلمين وبين مشركي مكّة العداوة والبغضاء ، وقامت بينهم حروب وغزوات ، وصارت للمسلمين دولة بقيادة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يكن ذلك حين كان المسلمون في مكّة ضعفاء وتحت سطوة قوّة المشركين ، واضطّهادهم لهم .
ولئلّا يقتدي المسلمون بالخطأ الّذي وقع به إبراهيم عليه السّلام ، إذ وعد أباه أن يستغفر له مع أنّ أباه كان كافرا لم يستجب لدعوة ولده له أن ينبذ الشّرك والأصنام ، ويؤمن باللّه وحده لا شريك له في ربوبيّته ولا في إلهيّته ؛ قال اللّه عزّ وجلّ لهم :
. . . إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ . . . :
أي : فلا تقتدوا به في هذه أخذا بعموم توصيتنا لكم بالاقتداء به ، فنحن لا نبيح لمؤمن أن يستغفر لكافر .
وفي النّصّ على هذا الحكم قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( التوبة / 9 مصحف / 113 نزول ) :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 113 ) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
( 114 ) :
أي : ما كان مباحا للنّبيّ ولو كان نبيّا ، وما كان مباحا للّذين آمنوا ،