له على تكسير أصنامهم وتحطيمها ، ليحافظوا على مكاناتهم في قومهم ، وأنّهم هم الأعلون ، الّذين لا يسمحون بأن يعلو أحد من قومهم عليهم .
فلمّا أجرى اللّه الخارقة العظمى بجعل النّار بردا وسلاما على إبراهيم عليه السّلام انتصر إبراهيم عليه السّلام على كبراء قومه وذوي السّلطان فيهم ، وظهر للجميع أنّه على حقّ ، وأنّه هو الأعلى ، وأنّ قومه المشركين على باطل ، وأنّ ذوي السّلطان والقوّة فيهم الأسفلون لا الأعلون ، إذ خاب كيدهم ، وارتدّ بالهزيمة إلى عقولهم وعقائدهم وملّتهم الباطلة .
وخرج إبراهيم عليه السّلام من النّار يمشي بين قومه منتصرا ، معتزّا بربّه ، لا يستطيع أحد من مشركي قومه الكافرين - مهما علت مكانته - أن يمسّه بسوء .
وتحدّث اللّه عزّ وجلّ عن هذه النّتيجة المخزية لقومه المشركين ، بقوله تعالى في سورة ( الأنبياء / 21 مصحف / 73 نزول ) :
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ
( 70 ) :
فأبان النّصّ هذا أنّ اللّه جعل الّذين كادوا إبراهيم ليحرّقوه :
الأخسرين من كلّ قومهم ، ودونهم في الخسارة المشركون من عامّتهم الّذين لا يملكون إصدار قرار التّحريق .
وأبان النّصّ السّابق الّذي جاء في سورة ( الصّافات / 37 مصحف / 56 نزول ) أنّ اللّه جعلهم الأسفلين ، ومن الجمع بين النّصّين نفهم أنّ مصدري قرار تحريق إبراهيم عليه السّلام هم الأعلون في قومه فجعلهم اللّه الأسفلين ، وأرادوا أن يربحوا بتحريقه زيادة رفعة في مجتمعهم ، فجعلهم اللّه الأخسرين ، فتكامل النّصّان في الدّلالة على ما أريد بيانه .
ولمّا أتمّ إبراهيم عليه السّلام تأدية رسالته في قومه ، أتاه الوحي بأن يهاجر إلى أرض غير أرض قومه .