تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
دلّت هذه الآية على أنّ إبراهيم عليه السّلام دخل على ملك قومه « نمرود » الجبّار ، ودعاه إلى الإيمان باللّه ربّه وربّ العالمين ، وإلى نبذ الوثنيّة الّتي هي ميراث ملّة قومه ، فرفض الاستجابة لدعوة رسول اللّه إبراهيم عليه السّلام ، واتّخذ وسيلة المغالطة حين قال « نمرود » له : من ربك ؟ . قال إبراهيم عليه السّلام :
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ :
أي : هو الّذي يخلق نفسا من مادّة لا حياة لها ، فينفخ فيها الرّوح ، فتكون بخلق اللّه نفسا ذات حياة ، بعد أن لم تكن شيئا مذكورا ، وهو الّذي يميت الأحياء عند انتهاء آجالهم ، بنزع الأرواح الّتي كانوا بها أحياء . فاتّخذ « نمرود » أسلوب المغالطة خارجا عن أصل معنى الإحياء والإماتة في بيان إبراهيم عليه السّلام ، فقال نمرود :
أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ :
أي : أحضر إنسانا حيّا ، فأضرب رقبته بالسّيف فأميته ، وأحضر إنسانا محكوما عليه بالموت لجرم ارتكبه ، فأعفو عنه وأطلق سراحه ، فأكون بهذا قد أحييته . فأدرك إبراهيم عليه السّلام أنّه يراوغ عن الحقيقة ، ليقنع من حوله في مجلسه الملكيّ ، أنّه انتصر على الرّسول الّذي يدعو إلى اللّه وإلى صراطه المستقيم . فلم يشأ إبراهيم عليه السّلام بحكمته أن يكشف حيلة « نمرود » في مراوغته ، حذر أن يتابع « نمرود » التّهرّب من مسالك فكريّة في قضيّة تحديد المعنى المقصود بالحياة والموت ، فانتقل إلى ظاهرة هي من خلق اللّه ، ولا يستطيع « نمرود » أن يراوغ فيها . فقال له :
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ :
أي : فإنّ اللّه الّذي هو الرّبّ الخالق من نظامه في الخلق أن يأتي بالشّمس صباحا من المشرق ، فإن كنت يا « نمرود » ربّا قادرا على أن