قدّم إبراهيم عليه السّلام دليلا على عدم صحّة كون شيء ما ربّا ، أن يتعرّض بعد ظهوره ومشاهدته للأفول ، وإذا لم تكن له ربوبيّة فلا تكون له إلهيّة بوجه من الوجوه ، إلّا أن يأمر الرّبّ الحقّ بعبادته ، وهذا لم يكن في رسالة ربّانيّة صحيحة .
ونفهم من استدلال إبراهيم هذا : أنّه يقول لقومه : إنّ من يحضر فيرى ويغيب فلا يرى ، إمّا أن يكون حضوره وغيابه بإرادته ، وإمّا أن يكون بغير إرادته .
فإن كان بإرادته فهو إنّما يحضر ليصرّف أحوال مربوبية ذوي الحاجة الدّائمة لربوبيّة ، لكنّه إذا غاب لم يكن لمربوبية حظّ من تصاريف ربوبيّته ، فيفسد بذلك نظام الخلق ، فدلّ هذا على أنّ الّذي يغيب بعد حضور لا يصلح لأن يكون ربّا ، فهو لا يصلح لأن يكون إلها يعبد .
وإن كان حضوره وغيابه بغير إرادته فهو بالبداهة لا يصلح أن يكون ربّا ولا إلها ، وهذا هو الّذي يدلّ عليه نظام الكواكب والنجوم جميعا في السماء ، إنّها تظهر وتغيب بغير إرادات لها ، فهي جميعها مربوبة لربّ واحد ، يخضع لصفات ربوبيّته كلّ موجود في السّماوات والأرض .
هذا الدّليل نفسه استخدمه إبراهيم عليه السّلام ، حين انتقل في تدرّجه بحثا عن الرّبّ المهيمن على الوجود كلّه ، إلى رؤية القمر البازغ ، فرؤية الشّمس البازغة ، وهذا ما جاء بيانه في قول اللّه عزّ وجلّ بشأنه :
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
( 78 ) :
البازغ : الّذي بدأ طلوعه .