تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
واهتماما بالقيام بهذه السّياسة الدّعويّة الحكيمة الرّشيدة ، ألحّ إبراهيم عليه السّلام على أبيه في الدّعوة إلى دين اللّه الحقّ ، وإلى نبذ اتّخاذ الأوثان وعبادتها ، ونوّع لأبيه أساليب الإقناع ، وقدّم له البراهين وحججا مختلفة ، واستعطفه واستلانه ، وتخضّع له ، وترفّق به وعاشره بإحسان ، ولم يقابله بما يكره . وحين طلب منه أبوه أن يهجره إلى حين ، استجاب لطلبه ، ووعده بأن يستغفر له ربّه ، قبل أن يعلم أنّه مصرّ على أن يكون عدوّا للّه ، فلمّا علم أنّه عدوّ للّه تبرّأ منه . ونفهم من هذا النّصّ أنّ إبراهيم عليه السّلام قد أضجر أباه في دعوته له ، مقرونة بالحجج البرهانيّة المقنعة ، رجاء أن يستجيب له ، فيكون من المؤمنين الموحّدين النّاجين من عذاب اللّه الخالد في نار جهنّم ، ونفهم أنّ الضّجر قد أوصل الأب إلى أن يهدّد ابنه إبراهيم النّاصح له ، والملحّ عليه بالنّصيحة ، وبإقامة الحجج البرهانيّة المقنعة ، فيتوعّده بالرّجم ، فقال له :
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ
أي : لأقتلنّك بوسيلة الرّجم بالحجارة . ويظهر أنّ هذا التّهديد قد صدر من الأب وهو في حالة ضيق صدر ، إذ لم يستطع أن يردّ على حجج ابنه البرهانيّة بما يزيّن تقليده الأعمى في شركيّاته ، ومعلوم أنّ ضيق الصّدر يولّد غضبا ، ومع الغضب تصدر عبارات التّهديد الّتي قد تصل إلى التّهديد بالقتل . ويظهر أيضا أنّه لمّا سكت عن أبيه غضبه تراجع عن التّهديد بالرّجم ، وطلب من ابنه إبراهيم عليه السّلام أن يهجره مدّة طويلة من الزّمن ، فقال له :
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا :
المليّ : المدّة الطّويلة من الزّمن . ويظهر أيضا أنّ إبراهيم عليه السّلام استشعر من قول أبيه له :
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
وعدا ضمنيّا بأن يراجع نفسه ، ويتفكّر في الأمر ، ويتّخذ
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 133 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني