الظّاهرة الثامنة : أنّ اللّه ربّه هو وحده الّذي يطمع إبراهيم في أن يغفر له خطيئته يوم الدّين ، فلا غافر لذنوب من آمن وأسلام إلّا هو جلّ جلاله وعظم سلطانه .
من حكمة إبراهيم الدّعويّة عليه السّلام أنّه عرض عقيدته الإيمانيّة لأبيه وقومه ، ليستثير فيهم الرّغبة في مناظرته بشأنها ، وعندئذ يقدّم حججه البرهانيّة حول ما يبدونه من شكوك بشأنها .
وأتبع إبراهيم عليه السّلام بيانه لما يؤمن به بشأن القضايا الّتي عرضها ، بدعاء دعا به ربّه ربّ العالمين ، فقال :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ( 85 ) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
( 89 ) :
عناصر هذا الدّعاء تؤكّد إيمان إبراهيم عليه السّلام بيوم الدّين إيمانا لا شكّ يخالطه ، ولا شبهة تلامسه .
ودعاؤه ربّه بهذا الدّعاء أمام أبيه وقومه ، هو في الحقيقة من أسلوب الدّعوة غير المباشرة إلى الإيمان بمثل ما يؤمن هو به .
وفي هذا الدّعاء الذي دعا به إبراهيم عليه السّلام ستّة مطالب :
المطلب الأوّل : قوله في دعائه :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً :
الحكم : فقه الأمور ، ومعرفة الحقّ والباطل واحدود كلّ منهما ، ومعرفة الخير والشّرّ واحدود كلّ منهما ، ومعرفة الحسن والسّيّىء واحدود كلّ منهما ، ومعرفة الجميل والقبيح في السّلوك الإراديّ واحدود كلّ منهما .
وبناء على فقه الأمور يصدر من أوتي الحكم أحكامه العلميّة وأحكامه القضائيّة مطابقة للحقّ والخير والفضيلة .