تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
بحال من الأحوال ، لاحتمال أنّهم كانوا جاهلين ، أو كانوا على ضلالة يتّبعون فيها الأهواء ، أو كانوا متأثّرين بوساوس الشّياطين وتسويلاتهم . عندئذ رأى إبراهيم عليه السّلام ، أنّ من الحكمة في المناظرة أن يعلن لأبيه وقومه ، أنّ كلّ معبوداتهم ومعبودات آبائهم من دون اللّه ربّ العالمين أعداء له ، إذ ليس لها شيء من الصّفات الّتي تؤهّلها لأنّ تعبد من دون اللّه ، وعبادتها عدوان على حقّ اللّه ربّ العالمين في أن لا يعبد شيء ولا كائن ما من دونه ، إذ لا إله بحقّ إلّا هو ، فهو وحده ربّ كلّ شيء سواه . فقال لهم إبراهيم عليه السّلام في المناظرة ، ما جاء بيانه في قول اللّه تعالى :
قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ( 76 ) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
( 77 ) . أي : أتفكّرتم تفكّرا سليما سديدا ، فرأيتم بعقولكم وقلوبكم بطلان ما كنتم أنتم وآباؤكم الأقدمون ، تعبدونهم من دون اللّه ربّ العالمين ، وما زلتم أنتم تعبدونهم تقليدا لآبائكم فإنّهم عدوّ لي ، لأنّهم باطل ليس لهم من الإلهيّة وصف ما ، وأنا أعتبر كلّ باطل عدوا لي ، أكفر به ، وأعاديه ، وأقاتله ، ومن اللّازم الفكريّ لمعاداة الباطل ، معاداة أنصاره المؤمنين به ، والدّاعين إليه . ووصف إبراهيم عليه السّلام آباءهم بالأقدمين ، للدّلالة على أنّ الأقدميّة لا تعطي الباطل مشروعيّة البقاء ، ولا تكسبه شيئا من صفات الحقّ ، فالباطل أزلا باطل أبدا ، والباطل لذاته فيما مضى ، باطل دواما في الماضي ، والحاضر ، والمستقبل . ولمّا كان قوم إبراهيم عليه السّلام مشركين ، يعبدون أصنامهم