فأوصاه بأن يقوم بوظيفة الأمر بالمعروف ، والنّهي عن المنكر داخل مجتمعه ، فمنهج اللّه في رسالاته ، وفي تكوين الأمّة الرّبّانيّة الملتزمة بوجه عامّ أحكام شريعته ، بفعل الواجبات وترك المحرّمات منهج واحد ، لأنّه هو المنهج الأحكم .
وقد رأينا أنّه لمّا ضعفت أمّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وقلّت أعدادها عمّا ينبغي أن تكون عليه في الأمّة الرّبّانيّة المحمّديّة ، انتشرت فيها المعاصي ، وكثر في أفرادها ترك فروض الإسلام ، وكثر فيها ارتكاب المحرّمات من الكبائر ، وصارت هذه المعاصي من الكبائر أمورا مألوفة ، لا تقابل بالاستنكار من معظم أفراد المجتمع ، لوقوع أكثرهم بها أو بمثلها ، فسلبهم اللّه عزّتهم وقواهم المنتصرة الّتي كانت لهم ، وسلّط اللّه عليهم أعداءهم من الكافرين ، ثمّ من اليهود شرّ البريّة .
الوصيّة الرابعة : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
. . وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
( 17 ) :
لقد علم لقمان رضي اللّه عنه بحكمته الّتي آتاه اللّه إيّاها ، وتجاربه المتكرّرة ، أنّ من يقوم بوظيفة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، لا بدّ أن يلقى أذى من الّذين يوجّه لهم أوامره ونواهيه ، فأوصى ابنه بأن يتابع القيام بهذه الوظيفة ولا يضعف عن أدائها ، وأن يصبر على ما يصيبه من أذى .
وجاءت عبارة :
ما أَصابَكَ
باستعمال الفعل الماضي ، دون عبارة :
« ما يصيبك » باستعمال الفعل المضارع ، للدّلالة على أنّه قال له :
وسيصيبك أذى من الّذين تأمرهم بالمعروف ، أو تنهاهم عن المنكر ، أو من أنصارهم وجنودهم ، وسينالك منهم ما تكره في نفسك أو في جسدك ، فاعتبر أنّ هذا قد وقع فعلا ، فاصبر على ما أصابك .