من عادة الجبابرة وبعض الملوك للإشعار باستعلائهم على النّاس ، واحتقارهم لهم ، إذ هم أوفر حظّا منهم في الصّفات الذّاتيّة ، وفي القوّة والسّلطان ، والقدرة على تنفيذ ما يريدون .
ولمّا كانت وظيفة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر في الجماهير ، قد تولّد لدى بعض صغار النّفوس ، ومريدي الاستعلاء بين النّاس عجبا بأنفسهم ، وكبرا على العامّة ، وهذا قد يجعلهم يميلون رقابهم من العجب بأنفسهم ومن الاستعلاء على النّاس ، أو يتصرّفون تصرّفات أخرى تشعر بما تسلّل إلى نفوسهم من داء العجب بالنّفس والكبر ، كان من الحكمة أن يوصي لقمان ابنه بأن لا يعجب بنفسه ولا يستكبر على عباد اللّه ، إذا وجد أنّ الجماهير أعطته احتراما وتوقيرا ، إذ تصدّى لأمرهم ونهيهم .
وجاء النّهي عن بعض مظاهر هذه الحالة النّفسيّة في السّلوك ، والّتي يقاس عليها أشباهها ، لأنّ ضبط السّلوك عن الظّواهر الدّالّة على ما في النّفوس ، يساعد الإنسان على معالجة نفسه بشفائها ممّا تسلّل إليها من داء نفسيّ ، أمّا ترك الإنسان إرادته تعبّر عمّا في نفسه بظاهرات سلوكيّة ، فإنّ من شأنه أن يزيد في نسبة الدّاء الّذي تسلّل إليها .
الوصيّة السادسة : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
. . وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
( 18 ) .
المرح : الاختيال ، والتّبختر في المشي ، وأصله شدّة الفرح والنّشاط ، وتجاوز الحدّ المعتاد من حركات العقلاء وأهل الرّشد عند فرحهم وسرورهم .
في هذه الوصيّة يتابع لقمان نهي ابنه عن ظاهرة أخرى من ظواهر الكبر ، والعجب بالنّفس ، وهي ظاهرة الاختيال والتّبختر في المشي .
هذه الظّاهرة أقبح من ظاهرة تصعير الخدّ ، لأنّها تدلّ على خفّة في