وسكت النّصّ عمّا يعانيه الأب أيضا في العادة من متاعب نفقة ومشاركة للأمّ في تربية الطّفل ، اكتفاء بإشارة توصية الولد بأن يشكر لربّه ولوالديه ، فقال تعالى في بيان الوصّية .
*
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ :
فجعل الأمر بشكر الوالدين عقب الأمر بشكره تبارك وتعالى مباشرة .
اللّه هو الرّبّ الخالق الممدّ بنعمه دواما ، والوالدان كانا سببا في وجود الولد ، مع ما قدّماه من خدمات كثيرات له ، حملا ، وولادة ، وإرضاعا ، وتربية ، ونفقات ، ومشاركات له بعواطف الوالديّة الّتي فطرهما اللّه عليها .
ولمّا كان شكر اللّه والوالدين ببرّهما ، مأجورا عند اللّه بثواب عظيم يوم الدّين ، وكان الكفران والعقوق معاقبا عليهما عند اللّه عزّ وجلّ بالعدل ، كان من الحكمة أن تأتي الإشارة إليهما في آخر الآية بقول اللّه تعالى :
. . إِلَيَّ الْمَصِيرُ
( 14 ) : أي : إليّ المكان الّذي يصير إليه النّاس يوم القيامة ، وفيه يجري حسابهم ، وفصل القضاء بينهم ، ثمّ تكون مجازاتهم بحسب الأحكام الّتي تصدر بشأنهم ، فضلا أو عدلا من ربّهم .
* قول اللّه تعالى متابعا وصيّته للإنسان بشأن والديه :
*
وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 15 ) :
أبانت هذه الآية أنّ حقّ اللّه عزّ وجلّ مقدّم على حقّ الوالدين ، ولمّا كان من شكرهما طاعتهما في أمورهما الدّنيويّة ، كان من الحكمة في البيان الاحتراس بتقييد طاعتهما بما ليس فيه معصية للّه عزّ وجلّ ، وعدوان على حقّ من حقوقه ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .