رابعا : ولمّا ذهب عن قومه مغاضبا لهم توجّه جهة ساحل البحر ، لينتقل إلى بلده في فلسطين على مركبة بحريّة تقرّبه إلى منازل أهله ، فوجد فلكا مناسبا ، فتفاوض مع أصحابه على أن يركبوه معهم ، فقبلوا ذلك منه فأركبوه ، دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الصّافات / 37 مصحف / 56 نزول ) :
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
( 140 ) :
وصفه اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية بأنّه عبد آبق ، إذ ذهب عن قومه دون إذن من ربّه .
العبد الآبق : هو الّذي يهرب من سيّده مالك رقبته ، لئلّا يقوم بما كلّفه إيّاه ، يقال لغة : « أبق ، يأبق ، أبقا ، وإباقا » أي : هرب ، فهو « آبق » و « أبوق » .
الفلك : مركب البحر ، يطلق على الواحد وغيره ، يذكّر ، ويؤنّث .
المشحون : أي : المملوء ، يقال لغة : « شحن السّفينة يشحنها » أي :
ملأها أحمالا وركّابا .
أي : ضع في ذاكرتك أيّها المتلقّي ، أنّ النبيّ الرّسول « يونس » أبق من المكان الّذي لم يأذن له ربّه بأن ينصرف عنه إذنا صريحا ، وذهب راغبا في العودة إلى منازل أهله في فلسطين ، فاختار أن يركب مركبة بحريّة تقرّبه ، فوجد فلكا مشحونا ، ففاوض أصحابه على أن يحملوه معهم فوافقوا على طلبه فحملوه .
خامسا : وطوت النّصوص بيان أنّ البحر هاج وماج وخاف أهل الفلك وركّابها على أنفسهم من الغرق ، فقرّروا أن يجروا قرعة لإسقاط من تقع القرعة عليه في البحر ، ويظهر أنّ هذا الإجراء كان من عادة ركّاب البحر في زمانهم .