الرّجوع به إلى السّاحل فلم يقدروا ، فأشار عليهم أن يلقوه في البحر ليسكن عنهم غضب اللّه عزّ وجلّ فألقوه .
فلمّا ألقوه التقمه بأمر اللّه عزّ وجلّ حوت عظيم ، وسار به في الظّلمات في حفظ اللّه وتأديبه ، وتمّت الخارقة الرّبّانيّة .
وقد أوحى اللّه إلى الحوت أن لا يصيب من « يونس » عليه السّلام لحما ، ولا يهشم له عظما ، فحمله الحوت العظيم وسار به على سطح البحر ، ويونس في فمه حيّ يسبّح اللّه ويستغفره ، وينادي في الظّلمات : أن لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين ، فاستجاب اللّه له ، ونجّاه من الغمّ ، وأوحى إلى الحوت أن يقذف به في العراء على ساحل البحر ، فألقى به وهو سقيم .
قالوا : وقد لبث في جوف فم الحوت ثلاثة أيّام بلياليها ، واللّه أعلم .
( 9 ) وجد « يونس » عليه السّلام نفسه في العراء سقيما هزيلا ، فحمد اللّه على النجاة ، وأنبت اللّه عزّ وجلّ عليه شجرة من يقطين ، فأكل منها واستظلّ بظلّها ، وعافاه اللّه من سقمه ، وتاب عليه .
وعلم « يونس » عليه السّلام أنّ ما أصابه تأديب ربّانيّ محفوف بألطاف اللّه في معجزة من لطائف خوارقه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - وعلم أنّ ما حصل له قد كان بسبب استعجاله وخروجه مغاضبا لقومهم من « نينوى » دون إذن صريح من اللّه عزّ وجلّ له بالخروج ، وإن كان له فيه اجتهاد مقبول ، إلّا أنّ مثل هذا الاجتهاد إن قبل من الصّالحين العاديّين ، فإنّه لا يقبل من الرّسل المقرّبين الّذين يوحى إليهم ، فهو بخروجه واستعجاله قد فعل ما يستحقّ عليه اللّوم والتّأديب الرّبّانيّ .
( 10 ) ولمّا استطاع « يونس » عليه السّلام أن يسير ، عاد إلى قومه
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 628
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٢٨