استعمل إبراهيم عليه السّلام التّعبير بالظّنّ هنا ، لأنّ قومه لا يملكون ظنّا مؤيّدا بدليل ما ، يخالف ما يدعوهم إليه من الحقّ ، ونبذ الشّرك ، والتزام صراط اللّه المستقيم .
أمّا عبادتهم لآلهتهم فهي عقائد خرافيّة تقليديّة ، لا يقترن بها ظنّ مقبول في أذهان العقلاء ، بل هي أوهام صارت عقائد بالتّقليد الأعمى .
وبعد أن جاهدهم عليه السّلام جهادا دعويّا لينبذوا شركهم ، فلم يستجيبوا له ، وكان فتى مكتمل القوّة ، ذا عزيمة ونشاط ، وترقّب يوما من أيّام أعياد قومه ، إذ يخرجون من مدينتهم إلى مكان جامع يلتقون فيه ، ويلهون ويلعبون ، فدعوه إلى الخروج معهم غدا ، فأراد أن يكيد في يوم عيدهم أصنامهم في معبدها المخصّص لها ، فيحطّمها إلّا كبيرها ؛ فيلزمهم الحجة في أنّها لا تستحقّ العبادة .
*
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ( 88 ) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ
( 89 ) :
حركة ذكيّة بارعة ، أوهم بها من حوله من عشيرته ، أنّه على طريقتهم في النّظر إلى حركات النّجوم ، دون أن يقول لهم : إنّي أستطلع حركاتها ، وأتبع هذه الحركة بقوله لهم : إنّي سقيم ، أي : مريض ، ومرضي يمنعني من أن أخرج معكم في يوم عيدكم .
فتوهّموا أنّه استطلع من النّظر إلى النّجوم أنّه سيكون غدا سقيما ، يمنعه سقمه من الخروج معهم ليلهوا ويلعبوا في يوم عيدهم .
قوله عليه السّلام : « إنّي سقيم » ، هي إحدى الكذبات الثّلاث اللّاتي احتسبها على نفسه ، كما جاء في حديث الشفاعة الّذي رواه البخاري ومسلم « 1 » ، مع أنّ ثنتين منها كانتا في ذات اللّه ، وهما قوله : « إنّي سقيم » .
هامش
( 1 ) انظر حديث الشفاعة في الصفحات من ( 414 - 416 ) من المجلد ( 8 ) الملحق الثاني : « حول الشفاعة يوم الدّين وأنواعها » .