تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
إنّ الملائكة مخلوقات غيبيّة ، لم يعلم وجودهم ، ولم تعلم صفاتهم ، إلّا عن طريق الخبر الدّيني ، والمشركون لم يقبلوا الأخبار الدّينيّة ابتداء بشأن التوحيد ، فكيف يؤكّد لهم القسم بالملائكة الغائبين عن الحواسّ أنّه لا إله إلّا اللّه الواحد لا شريك له . وأعجبني قول من قال : إنّ المقسم بهم جماعات من أهل الإيمان يصلّون صفوفا ، ويجاهدون صفوفا متراصّة . أقول : إنّ من عادة النّاس أن يقسموا بمن يعظّمون ، وبمن يكرّمون ، وبمن يحبّون من أزواج ، أو أولاد ، أو أخلّاء ، فيكون قسمهم في عرف النّاس مؤكّدا لأقوالهم ، والقسم مؤكّد كسائر أدوات التّوكيد . ومعلوم أنّ المحسنين ، والأبرار ، وكاملي التّقوى ، من المؤمنين المسلمين ، وهم رسل اللّه ، وأنبياؤه ، وأتباعهم بإحسان ، هم محبوبون للّه ، وأصحاب مكانات رفيعات عنده ، وهم أصحاب مكانات عاليات في كلّ أمّة لما يتحلّون به من فضائل الأخلاق ، ومحاسن السّلوك . فالقسم بهم وهم مشهودون للنّاس بفضائلهم ، يشعر بأنّ اللّه عزّ وجلّ يحبّهم ويرفع عنده مكاناتهم ، فيأتي القسم بهم وسيلة من وسائل التّوكيد المألوفة بين النّاس ، مع دلالة القسم على تكريمهم وتفضيلهم على سائر النّاس . وأبرز اللّه من فضائل هؤلاء الّذين أقسم بهم من جماعات الأمم الرّبّانيّة ما يلي : *
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا
( 1 ) : أي : أقسم بجماعات الرّبّانيّين من عبادي المحسنين ، والأبرار ، وكاملي التّقوى ، الّذين هم أحبابي من عبادي ، وذوو مكانات رفيعات عندي ، ومقرّبون منّي ، الّذين من صفاتهم أنّهم يصلّون صافّين صفوفا مستوية متراصّة ، ويجاهدون ويقاتلون في سبيلي صفوفا مستوية متراصّة ، لا متخالفة ، ولا متنافرة ، ولا متصارعة ، ولا متفرّقة شيعا وأحزابا .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 546 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني