تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
* قول اللّه تعالى في بيان اعتراضيّ يكشف فيه من سننه أنّه لا يهلك أهل القرى الظّالمين وهم غافلون عن مطلوب اللّه منهم ، بل من حكمته أن يرسل لهم رسلا ، كما أرسل رسلا للجنّ ، ورسلا للإنس ، ليقطع أعذارهم : *
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ
( 131 ) : أي : ذلك الّذي سألنا معشر الجنّ والإنس عنه ، وهو قولنا لهم :
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا . . .
( 130 ) : والّذي اقتضته حكمتنا في عبادنا الموضوعين موضع الامتحان أن نرسل لهم رسلا ، وأن لا نهلك الظّالمين وهم غافلون ، لم تبيّن لهم الواجبات الّتي أو جبناها على من نضعهم موضع الامتحان . فالشّأن العظيم أنّ ربّك لم يكن ليهلك أهل القرى الظّالمين بسبب ظلمهم من دركة الكفر ، والحال أنّهم غافلون عن عقائد الدّين وشرائعه وأحكامه ، بل يرسل لهم رسلا يبيّنون لهم ويخرجونهم من غفلاتهم ، فإذا عاندوا وكفروا على الرّغم من إدراكهم الحقّ فقد يهلكهم إهلاكا عامّا . ودلّ وصفهم بالغفلة في قوله تعالى :
وَأَهْلُها غافِلُونَ
على أنّ حقائق دين اللّه لعباده موجودة في فطر النّفوس ، إلّا أنّ أكثرهم يكونون غافلين عنها ، غير مهتمين بالتّفكير فيها والتّأمّل لإدراكها ، لأنّهم مشغولون لاهون بأمور دنياهم ، وقد تكون أهواؤهم وشهواتهم حاجبة بصائرهم بحجاب شديد الكثافة . الغفلة : انصراف الذّهن عن ملاحظة الشيء مع وجوده في مجال الإدراك ، أو وجود أدلّته ، وإمكان إدراكه لولا وجود الصّارف أو السّهو . * قول اللّه تعالى مبيّنا حكمته في الجزاء الّذي يجزي به عباده يوم الدّين ، القائمة على التفاضل في الدّرجات ، والتّنازل في الدّركات ، بحسب