هذا ما أفهمه من قول اللّه تعالى :
. . . قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ
( 130 ) :
فالشهادة الأولى هي شهادة على أنّ الأشرطة المسجّلة الّتي عرضت عليهم ، هي أشرطة حياتهم المطابقة تماما لما سبق أن اكتسبوه في رحلة امتحانهم ، لأنّ كلّ إنسان يتذكّر يوم الدّين ما سبق أن سعى في الدّنيا .
والشّهادة الثانية هي اعترافهم بأنّهم كانوا في الحياة الدّنيا كافرين ، فهذا الاعتراف شهادة منهم على أنفسهم .
ومن الإبداع البيانيّ في الآية التّنويع في عرض اعترافاتهم ، وبيان سبب اكتسابهم جرائمهم .
فاعترافهم الأوّل : جاء بأسلوب :
شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا .
وبيانهم السّبب : جاء بعبارة :
وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا .
واعترافهم الثّاني : جاء بعبارة :
وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ .
ودلّ خطاب اللّه الجنّ والإنس على أنّه تبارك وتعالى قد بعث إلى الجنّ رسلا منهم ، إذ من المعلوم الثابت أنّ الجنّ مخلوقون قبل الإنس ، وأنّهم كانوا موضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ، فهم بحاجة إلى رسل يبيّنون لهم مسؤليّاتهم ، ومطلوب اللّه منهم في رحلة امتحانهم .
ويظهر أنّ اللّه عزّ وجلّ بعد خلق الإنس ، ربّما اختار بعض رسله كموسى وعيسى عليهما السّلام أن يكونوا رسلا للجنّ ، أمّا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فقد ثبت قطعا أنّه كان رسولا عامّا للإنس والجنّ ، كما سبق بيانه لدى تدبّر سورة ( الجنّ / 40 نزول ) وفي مواضع أخرى .