تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
*
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
( 134 ) : خاطب اللّه عزّ وجلّ كلّ فرد من أفراد المعالجين في السّورة ، وهم أئمّة الشّرك والكفر في مكّة إبّان التّنزيل ، بأسلوب الخطاب الإفراديّ ، ليضعه بخطابه أمام المسؤوليّة التامّة ، فقال له : *
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ . . . :
أي : الغنيّ عن إيمان العباد ، والغنيّ عن طاعاتهم له ، لم يأمرهم بالإيمان به وبما أمرهم أن يؤمنوا به ، ولم يأمرهم بطاعته ، لحاجة في نفسه إلى ذلك ، ولكن كما خلقهم ليبلوهم اقتضت الحكمة أن تكون مادّة امتحانهم تدور حول الإيمان به وبسائر أركان الإيمان إيمانا إراديّا لا إيمانا جبريّا ، وحول طاعته في أمور هي لخيرهم ومصلحتهم ، وهذا هو الإسلام له . فحين يتابع معالجتهم ، وإقناعهم ، ومناظرتهم ، وترغيبهم وترهيبهم ، ليؤمنوا وليسلموا ، ويصبر عليهم ، ويمهلهم إمهالا طويلا ، فبرحمته بهم يفعل ذلك ، لأنّه ذو الرّحمة العظمى الّتي وسعت كلّ شيء يريد أن يأوي إليها ويستدرّ عطاءاتها . وإذهابكم من الحياة ، وجعل غيركم في أرضكم خلفاء لكم فيها ، أمر يسير عليه ، كما أنشأكم أنتم من ذرّية قوم آخرين ، قضوا آجالهم في الحياة الدّنيا ، وكنتم خلفاءهم ، دلّ على هذا : *
. . . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ
( 133 ) : جاء استعمال « ما » في عبارة
ما يَشاءُ
بدل « من » للإشارة إلى أنّ إذهابهم يكون بإهلاك جماعيّ عام ، يهلكون فيه هم وكلّ الأحياء في