يَخْرُصُونَ
( 116 ) : أي : يكذبون ، فالمراد بالخرص هنا الكذب ، وهو كذلك في كلّ القرآن . ويأتي الخرص في اللّغة بمعنى التقدير بالظّنّ .
*
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
( 117 ) :
إنّ الحكم في الآية السّابقة بأنّ أكثر من في الأرض ضالّون عن سبيل اللّه ، فمن انقاد إليهم أضلّوه عن سبيله ، استدعى أن يبيّن اللّه عزّ وجلّ أنّه أعلم من كلّ عليم بكلّ من يضلّ عن سبيله ، وأعلم من كلّ عليم بكلّ المهتدين .
جاء في هذه الآية عبارة
أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ
والمعروف عند علماء العربيّة أنّ أفعل التّفضيل لا يتعدّى إلى المفعول به مباشرة ، وكان الظّاهر أن يقال : أعلم بمن يضلّ . كما جاء في آخر الآية :
أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
ونظيره جاء في سورة ( القصص / 28 مصحف / 49 نزول ) :
. . . قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 85 ) :
هذان النّصّان في القرآن خرجا عن القياس العربي ، وقد اجتهد المفسرون من أئمة اللّغة في تخريج هذا التعبير .
* فرأى بعضهم أنّ العبارة فيها حذف ، وأصلها : أعلم من كلّ عليم ، يعلم من جاء بالهدى ، ويعلم من هو في ضلال مبين .
* ورأى بعضهم أنّ النّصب جاء بنزع الخافض ، وأصل العبارة :
أعلم بمن .
* ورأى بعضهم أنّ أفعل التّفضيل جاء على غير بابه ، إذ معناه :
يعلم . إلى غير هذه من تخريجات .
وانسجاما مع منهج الحذف والطّيّ في القرآن ، وهو كثير ، يترجّح لديّ التخريج الأول . على أنّ النّصب بنزع الخافض ليس مستبعدا ، لكنّ الحذف والطّيّ أكثر إثراء للمعاني .