فالنّسبة العظمى من النّاس في كلّ القرون الإنسانيّة ، هم ضالّون بعيدون عن صراط اللّه المستقيم ، وكثير منهم مضلّون ، مغوون ، ملحقون بقسم الشّياطين من الإنس والجنّ .
وقد أبان اللّه عزّ وجلّ أنّ تكرّر هذه الظّاهرة من ظواهر الاجتماع البشريّ ، له سببان رئيسان :
السّبب الأوّل : أنّ أكثر النّاس لا يتّبعون إلّا الظّن ، فهم لا يصبرون حتّى يعرفوا الحقّ ، أو الصّواب ، أو الأفضل ، بيقين ، بل يتسرّعون بدوافع شهويّة أو غضبيّة من نفوسهم ، فيجزمون بالبوادر الّتي تخطر لهم ، ويجعلونها حقائق ، وهي ظنون ، وأكثرها ظنون كواذب لا تصلح للاعتماد عليها ، وهي كواذب قطعا إذا تعارضت مع ما جاء في دين اللّه الحق لعباده .
وفي بيان هذا السّبب قال اللّه تعالى :
. . . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ . . . :
أي : ما يتبعون في آرائهم الّتي يجزمون بها إلّا الظّنّ .
الظّنّ : هو ما دون اليقين العلميّ ، حتّى أضعف درجات الظّنون التّوهّميّة ، فما تجاوز من الظّنون الدّرجة الوسطى الّتي تكون فيها كفّتا ميزان الاحتمالات المتضادة متساويتين ، فيرجح أحد الاحتمالين على ضدّه يكون ظنّا راجحا ، ويكون مقابله ظنّا مرجوحا ، وقد يصل الظّنّ المرجوح إلى درجة التّوهّم . وأكثر النّاس يكتفون في أحكامهم بالظّنون المرجوحة ، لتبادرها إلى أذهانهم ، فلا يكلّفون أنفسهم البحث والتفكير والتّأمّل ، فيسقطون في أوحال أخطاء شنيعة جدّا ، ذات مصير وخيم لمن اعتمد عليها وعمل بها ، ويغترّ من يستمسك بها بكثرة النّاس الّذين يعتبرونها من الحقائق الّتي يجب الاستمساك بها ، والعمل بما تدعو إلى العمل به .
وأكثر من في الأرض الموضوعين فيها موضع الامتحان ضالّون عن