تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
لفظ « الحكم » أخصّ من لفظ « الحاكم » أي : ذو درجة رفيعة في دقّة القضاء بالحقّ والعدل . ولفظ « الحكم » اسم من أسماء اللّه الحسنى . وذكر المختصّون بعلوم القرآن أنّ هذه الآية مدنيّة ، فإذا صحّ أنّها مدنيّة فمضمونها خاصّ بالمؤمنين المسلمين حتما ، ويوجد في أحداث السّيرة المدنيّة ما يمكن أن يكون سببا لنزول هذه الآية ، وقد علم المسلمون في المدينة أنّ القرآن فيه تفصيل لأحكام الفروع في المعاملات ، فيلائمهم البيان في هذه الآية تماما . والاستفهام في عبارة :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً
استفهام إنكاريّ على من طلب من المسلمين التّحاكم إلى بعض حكّام أهل الجاهلية ، وقد يكون من المنافقين ، أو من الذين في قلوبهم مرض دون النفاق . *
. . . وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا . . . :
أي : وهو الّذي أنزل إليكم القرآن المجيد ، مشتملا على أسس أحكام المعاملات ، القائمة على الحقّ والعدل ، وفيها تفصيل كاف عن طريق النّصوص الصّريحة ، أو عن طريق القياس الجليّ وغيره . *
. . . وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ :
أرى أنّ هذا البيان الرّبّانيّ ، موجّه لمن خطر له أن يتحاكم في بعض أمره لغير الرّسول من حكّام أهل الجاهليّة وقضاتهم ، لمرض في قلبه جعله يشكّ في القرآن ، فقال اللّه له : والّذين آتيناهم الكتاب وهم علماء اليهود وأحبارهم في المدينة ، يعلمون أنّ القرآن منزّل من ربّك حالة كونه متّصفا بالحقّ ، فلا تكوننّ من الممترين ، أي : فلا تكوننّ من الشّاكين في هذه الحقيقة . ولا أرى أنّ هذا الخطاب موجّه للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم . والدّاعي لوضع هذه الآية في سورة هي من التّنزيل المكّيّ ، الإشعار