هذه الخطوة تأتي تلقائيّة بعد الخطوة الثالثة ، وقد تحتاج من الشياطين المغوين المضلّين شيئا من الدّفع ، أو الجذب ، أو المصاحبة ، أو تهيئة الوسائل والأسباب ، أو وضع الصّيد الجديد في المكان المهيّأ لاقتراف السّيّئات والجرائم الّتي حلّت من الفؤاد محلّ الاستحسان والرّضا ، وبعد الاقتراف الأوّل تكون الأفعال التالية عاديّة ، ثمّ تكون عادة متمكّنة .
الاقتراف : الاكتساب ، يقال لغة : « اقترف الذّنب » أي : افتعله بإرادة واعية وتكلّف ، ولم يفعله عفوا كما يذبّ الذّباب عن وجهه .
* قول اللّه عزّ وجلّ يعلّم رسوله أن يقول :
*
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
( 114 ) :
يرى المفسّرون أخذا من ظواهر سوابق هذه الآية أنّها من توابع علاج المشركين ، والّذي ظهر لي أخذا ممّا اشتملت عليه من تعليم ، أنّها تخصّ بعض الذين آمنوا وأسلموا ، الذين لم يتّضح لهم بعد أنّ الإسلام يشتمل على أحكام الفروع ، في المعاملات والعلاقات الماليّة والاجتماعيّة وغيرها ، وربّما كانوا يتحاكمون إلى من كانوا يتحاكمون إليهم قبل الإسلام ، ولم تكن أحكام هذه الفروع قد نزلت في نجوم التّنزيل السّابقة ، فاقتضت الحكمة الرّبّانيّة القائمة على التّدرّج ، التّمهيد ببيان أنّ كتاب اللّه القرآن الّذي أنزل اللّه منه ما أنزل ، وسينزل سائره ، يشتمل على تفصيل لكبريات قضايا الأحكام ، وأحكامه صادرة عن أحكم الحاكمين ربّ العالمين .
*
أَبْتَغِي حَكَماً :
أي : أطلب حكما ، الحكم : هو من يختار للقضاء ، والفصل بين الخصماء . « وحكم فلان في الأمر » أي : قضى فيه .