تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
أي : وأعط جانبك لهؤلاء المشركين المعاندين ، غير مبال ولا عابئ بهم ، فقد وصلوا إلى دركة يستحقّون معها أن تعرض عنهم ، وتوجّه طاقات مجاهدتك لآخرين مطموع في استجابتهم ، أو لم يبلغوا دركة اليأس من استجابتهم عن طريق إراداتهم الحرّة . القضيّة الرابعة : ما دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا . . . :
أي : ولو شاء اللّه أن لا يشركوا لسلبهم إرادتهم الحرّة ، ولجعلهم مجبورين ، وحينئذ لا يختار اللّه لهم إلّا أن يكونوا مؤمنين موحّدين ، لأنّ اللّه لا يرضى لعباده الكفر ، ولكنّ هذا يلغي كونّهم ممتحنين في ظروف الحياة الدّنيا ، فالمجبور لا يكون ممتحنا ، والممتحن لا بدّ أن تكون له إرادة حرّة يختار بها ما يشاء من خير أو شرّ ، ولو لم يكن خالقا لما يشاء . ولا تفيد عبارة
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا
أنّ اللّه عزّ وجلّ شاء أن يشركوا ، كما يفهم بعض المتسرّعين الّذين لا أناة لهم لدى تدبّر النّصوص ، وذلك لأنّ الموضوع له ثلاثة احتمالات لا احتمالان اثنان . الاحتمال الأوّل : إجبارهم على أن يكونوا مؤمنين موحّدين ، وهذا احتمال لم يشأه اللّه عزّ وجلّ . الاحتمال الثاني : إجبارهم على يكونوا مشركين ، وهذا احتمال لم يشأه اللّه عزّ وجلّ أيضا . الاحتمال الثّالث : منحهم الإرادة الحرّة الّتي يختارون بها ما يشاءون من خير أو شرّ ، ليبلوهم فيما آتاهم ، وهذا هو الاحتمال الّذي شاءه اللّه عزّ وجلّ لكلّ الّذين وضعهم في الحياة الدّنيا موضع الامتحان من الجنّ والإنس . ولو شاء اللّه إجبارهم لجعلهم مؤمنين بالحبر . القضيّة الخامسة : ما دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله :
. . . وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً . . . :