تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
وهذا التّزيين خاضع لنظام قدريّ ربّانيّ عامّ ، مشروط باتّخاذ أسبابه من قبل النّاس بإراداتهم الحرّة . فمن جحد ربوبيّة اللّه أو جعل له شركاء في ربوبيّته ، أو جحد إلهيّة اللّه ، أو جعل له شركاء في إلهيّته ، زيّن اللّه له ضمن نظامه التّكوينيّ العامّ أعماله الشّركيّة ، فصار يرى عبادة من جعلهم شركاء للّه أمرا حسنا . ومن اعتقد أنّ النّاس شركاء في الأموال وفي النّساء ، زيّن اللّه له ضمن نظامه التّكوينيّ العامّ أن يسلب النّاس أموالهم ، وأن يزاني من يشاء من النّساء دون ضابط ولا رادع ، وأن يعتبر هذا حقّا من حقوقه الشّخصيّة . ولكلّ سلوك إراديّ مزيّن للإنسان أصل فكريّ ، فمن اعتقد هذا الأصل الفكريّ كان السّلوك الإراديّ المتفرّع عنه مزيّنا له ، ضمن النظام التكوينيّ الرّبّانيّ العام ، وقد يكون هذا الأصل الفكريّ باطلا وشرّا ، ومؤديا إلى فساد عريض ، وإبادة للأحياء ، وتدمير للأشياء . وهذا التّزيين من لوازم وضع النّاس في ظروف الحياة الدّنيا موضع الامتحان ، فمن صحّ إيمانه باللّه وباليوم الآخر ، زيّن اللّه له عبادة ربّه والعمل بمراضيه ، ليظفر بالسّعادة في جنّات النعيم . ومن اعتقد أنّ الحياة الدّنيا هي كلّ شيء في وجود الإنسان ، زيّن اللّه له أن ينتهب اللّذات انتهابا من كلّ وجه بأيّة وسيلة ، ولو كان فيها ظلم وعدوان ، ومخالفة ومعصية لأوامر ونواهي الرّبّ الجليل القهّار الدّيّان . فمعنى العبارة : وكذلك التّزيين الّذي حصل للمشركين ، إذ زيّنا لهم أعمالهم الباطلة الظّالمة الآثمة ، ضمن نظامنا التكويني العام ، زيّنّا لكلّ أمّة ذات عقائد صحيحة ، أو باطلة ، أعمالهم المتفرّعة عمّا يعتقدونه من جذور فكريّة اعتقادية ، وبهذا يتحقّق كمال الحكمة في حياة الابتلاء .