تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
السّماوات وفي الأرض هو حقّ ثابت ، ولا شيء ممّا خلق اللّه في كونه لا حقيقة له . وكلّ ما خلق اللّه في كونه آيات دالّات على ذاته وصفاته ، وهذا حقّ . وما خلق الإنس والجنّ بصفاتهم الّتي هم عليها ، إلّا ليضعهم موضع الامتحان في ظروف الحياة الدّنيا ، ثمّ ليجزيهم على وفق أعمالهم ، فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره ، وهذا الجزاء يكون يوم القيامة بعد الحساب وفصل القضاء ، والخلق لتحقيق هذه الغاية العظيمة خلق متّصف بالحقّ ، ولولا تحقيق هذه الغاية السّامية لكان خلق الإنس والجنّ عملا باطلا . هل تقبل العقول السّليمة أن يخلق اللّه الإنسان في أحسن تقويم ، ويسخّر له ما في الأرض والسّماء ، فهو يتصرّف بالأشياء ضمن قوانينها وأنظمتها باختياره الحرّ ، وهذا التّصرّف ينجم عنه ظالم ومظلوم ، وذو غنى ومحروم ، ومسيء ومحسن ، وكافر ومؤمن ، وتقيّ ومجرم ، ثمّ لا يكون بعد ذلك حساب ، ولا فصل قضاء ، ولا جزاء ؟ ؟ ! إنّه تمكين لذوي القوّة من أن يكون الباطل هو العزيز الفائق ، وأن يكون الحقّ هو الذّليل الزّاهق ، وهذا عند ذوي العقول السّليمة عمل باطل ، وكلّ ما يؤدّي إلى باطل فهو باطل . إذا كانت الغاية من الخلق هذا الأمر الباطل ، فإنّ الخلق نفسه عمل باطل ، يفضي إلى تمكين الباطل من إزهاق الحق . فمن زعم أنّه ليس بعد هذه الحياة الدّنيا حساب ، ولا فصل قضاء ، ولا تنفيذ جزاء ، لزمه أن يدّعي أنّ اللّه جلّت قدرته وعظمت حكمته ، قد خلق هذا الخلق باطلا وعبثا ، وهذا جحود لكمال صفات اللّه عزّ وجلّ ، وهو من الكفر باللّه . وإنّ الّذين يقولون هذا ما قدروا اللّه حقّ قدره ، إنّهم بهذا الزّعم ليس لهم إلّا الأوهام الّتي هي أضعف الظّنون السّاقطة