بالبداهة ، وهي أوهام زيّنتها لهم رغباتهم الفاجرات بالتّحرّر من قيود الحقّ والخير والفضيلة ، اتّباعا لأهوائهم وشهواتهم وتقاليدهم العمياء « 1 » .
القضيّة الثانية : دل عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ :
جاء في العبارة الدّالّة على هذه القضيّة تغيير في أسلوب البيان ، وهو على منهج القرآن المخالف لأساليب النّاس الّتي يتّبعون فيها النّمطيّة المتماثلة ، والّذين لا يضعون في تصوّرهم هذا المنهج القرآنيّ القائم على التغيير في الأسلوب قد لا يحسنون تدبّر فقراته وجمله وآياته .
كانت النّمطيّة المتماثلة يتبادر فيها أن يقال : هو الّذي خلق السّماوات والأرض بالحقّ في أحداث يوم الحياة الدّنيا ، وسوف يخلق في أحداث اليوم الآخر كلّ ما قدّر وقضى أن يخلقه بالحقّ أيضا ، فقوله الحقّ دواما .
وإيثارا للتّنويع في الأسلوب ، مع اختيار الأجمع للمعاني ، والأخصر في العبارة ، قال اللّه تعالى :
وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ :
أي :
وقوله الحقّ الّذي لا يخالطه باطل أيضا ، يوم يقول في أحداث الحياة الآخرة ، المعدّة في خطّة التكوين للحساب ، وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء ، لكلّ شيء تمّ به قضاؤه : كن فهو يكون بمقتضى أمر التّكوين ، وأمر التّكوين ليس كأمر التّكليف ، إذ هو يوجّه للأشياء المعدومة الذّوات أو الصّفات والموضوعة بالقضاء والقدر في خطّة التّكوين ، فتوجد بالأمر ، كما قال اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 82 ) ( يس / 41 نزول ) فالمراد للّه معلوم له بكلّ عناصر ذاته وصفاته ،
هامش
( 1 ) انظر تتمّة هذا البحث في تدبّر الآيتين ( 27 و 28 ) من سورة ( ص / 38 نزول ) المجلد الثالث . الصفحات من ( 545 - 551 ) .