( 3 ) القلب : باعتباره جهاز إدراك المعارف والعلوم ، واستنباط كثير من الحقائق ، بما وهبه اللّه من قدرات تحليل وتركيب واستنتاج ، وبما وهبه من مقاييس .
والسّمع أداة توصل إليه المسموعات ليعقلها ، ويحلّل فيها ويركّب ويستنبط . والبصر أداة توصل إليه المرئيّات ليعقلها ، وليحلّل فيها ويركّب ويستنبط .
فالقلب هو جهاز الإدراك العلمي ، والعقل العلميّ ، والتّفكّر ، والقياس والاستنباط ، إلى سائر الأعمال العلميّة الّتي فضّل اللّه بها الإنسان .
وبما أنّ الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه ، هو واهب السّمع والبصر والقلب العاقل المفكّر للإنسان ، فهو القادر إن شاء على سلبه هذه الأجهزة الجليلة ، وهو القادر على جعله محروما منها ، وحينئذ تكون البهائم أفضل منه ، ولن يوجد في الوجود كلّه غير اللّه أحد يردّ له ما أخذ اللّه منه .
ورغبة في إيقاظ المشركين المعاندين وبعثهم من سباتهم ، علّم اللّه الدّاعي إلى ربّه الواحد الأحد ، هزّ كيانهم باحتمال أن يعاقبهم ربّهم بسبب إصرارهم على باطلهم ، فيسلبهم ويأخذ منهم أجلّ ما تمتاز به إنسانيّتهم ، وهي أدوات سمعهم وإبصارهم ، وجهاز العلم والمعرفة في داخل كيانهم ، فيجعلهم أحقر من البهائم وأخسّ . وعندئذ لا يجدون إلها غير اللّه يلجؤون إليه ليردّ لهم سمعهم وأبصارهم وقلوبهم الدّرّاكة الواعية المفكّرة ، إن بقي لديهم جهاز صالح للتفكير والفهم .
جاء التعبير عن سلب السّمع والأبصار بالأخذ ، أي : أخذ قدرة الأسماع على السّمع ، وأخذ قدرة الأبصار على البصر .
وجاء التّعبير عن سلب قدرات مراكز الإدراك والفهم والتفكير والعقل في داخل النّفوس ، بالختم على القلوب .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 236
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٣٦