وجاء فيها نصب
رَبِّنا
على أنّه منادى بحذف حرف النّداء .
فِتْنَتُهُمْ :
تطلق الفتنة ويراد بها العقاب والعذاب ، وأرى أنّ هذا هو المراد هنا ، واللّه أعلم .
فالمعنى : ثمّ بعد الحشر وسؤال المشركين عن شركائهم الّذين كانوا في حياة الابتلاء يزعمون أنّهم شركاء للّه ، عذّبوا عذابا خاصّا قبل أخذهم وإلقائهم في جهنّم دار عذابهم الخالد ، لأنّهم كذبوا على أنفسهم إذ قالوا :
« واللّه ربّنا ما كنّا مشركين » لكنّ اللّه عزّ وجلّ يكشف أنّهم كاذبون ، إذ يختم اللّه على أفواههم وينطق أيديهم وأرجلهم وجلودهم ، فتشهد عليهم بأنّهم كانوا مشركين ، إضافة إلى صحف أعمالهم الّتي تكشف بالصّوت والصّورة وحركات القلوب والنّفوس وما كان فيها من عقائد ونيّات وخواطر .
وبعد أن يدانوا بكذبهم في موقف سؤالهم وحسابهم يعاقبون على هذا الكذب ، وبهذا تكون فتنتهم الّتي سبّبها لهم كذبهم في سؤال ربّهم لهم عن شركائهم .
*
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
( 24 ) :
أي : انظر أيّها المتلقّي لنبأ هؤلاء المشركين ، إذ ينكرون في موقف حسابهم بين يدي ربّهم ، أنّهم كانوا مشركين في الحياة الدّنيا ، ويحلفون باللّه أنّهم ما كانوا في الحياة الدّنيا مشركين ، متوهّمين أنّ الأيمان الكاذبة تنجيهم من جريمة الشّرك باللّه ، الّتي كانت جريمتهم الكبرى في الحياة الدّنيا ، ويغفلون عن أنّ اللّه عليم بما في قلوبهم ، فعرّضوا أنفسهم لعذاب أليم على أيمانهم الفاجرة ، قبل إلقائهم في جهنّم لينالوا العذاب الدّائم الخالد على كفرهم وشركيّاتهم ، وجرائمهم الأخرى الّتي قدّموها في الحياة الدّنيا .