اللّبس ينجم عنه جهل كلّ من المختلطين ، أو جهل أحدهما ، وتوهّم أنّه مثل المختلط به ، ومنه لبس الحقّ بالباطل ، للإيهام بأنّ الباطل حقّ .
يقال لغة : « لبس فلان على فلان الأمر ، يلبسه ، لبسا » أي : خلطه به لكي يضلّله فلا يعرف حقيقته .
وهذا اللّبس من وسائل المضلّلين ، الّذين يعتمدون في تضليلاتهم على المغالطات والإيهامات الكاذبات .
أي : ولو جعلنا الرّسول الّذي نرسله إليهم ملكا من الملائكة ، لاقتضى وضعهم الّذي فطروا عليه ، أن نجعله متشكّلا بصورة رجل من النّاس ، لأنّ فطرهم لا تمكّنهم من رؤية الملائكة على حقيقة أكوانها النّورانيّة ، ما لم تتشكّل بالأشكال الجسمانيّة ، وأكمل ما تتشكّل به صورة رجل من الناس ، لا صورة طير أو دابّة من دوابّ الأرض ، وحينئذ يلتبس عليهم الأمر ، ويقولون : هذا بشر وليس ملكا ، وتعود مشكلتهم إلى نقطة بدايتها .
إذن فلا فائدة من الاستجابة لطلبهم على فرض صدقهم بأنّهم سيؤمنون إذا أنزل إليهم ملك .
إنّهم في طلبهم يلبسون ، فيخلطون ظاهر استعدادهم لأن يؤمنوا إذا أنزل إليهم ملك ، بحقيقة إصرارهم على الكفر جحودا وعنادا واتّباعا للأهواء .
ولو أرسل اللّه لهم ملكا رسولا على شكل رجل من النّاس ، للبس عليهم مثل ما يلبسون ، وليس من صفات اللّه أن يلبس على عباده تزييفا وتضليلا ، أو يعمل عملا عبثا لا فائدة ترجى منه .
* قول اللّه تعالى خطابا لرسوله مسلّيا ، ومطمئنا بأنّه سينصره ، ويهزم ويخزي مكذّبيه :
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 163
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٦٣