قدموا من أرض كنعان ، ويوزّعونهم مفرّقين في أرض مصر ، حتّى لا تكون لهم قيادة تجمعهم ، ولا أرض واحدة تجعل منهم وحدة متمساكة . وقبل تنفيذ هذه المكيدة ، أمر موسى بني إسرائيل بالخروج من مصر ليلا في اتّجاه سيناء ، دون أن يشعروا المصريين بخروجهم ، ولمّا علم فرعون وملؤه بالأمر دبّروا خطّة اللّحاق بهم بجيش مقاتل ، فكانت عاقبة أمرهم إغراقا في مكان عبور بني إسرائيل في البحر .
وفي تعبير موجز عن هذا الحدث قال اللّه عزّ وجلّ في هذا الدّرس :
فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً
( 103 ) :
فَأَرادَ
: أي : فرعون ، ويلحق به ملؤه ورجال مشورته .
أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ
: أي : أن يستخرجهم من الأرض التي يسكنونها ، ويوزّعهم في شتّى أرض مصر ، ويستخفّهم بالمزعجات والمخيفات حتّى يخرجوا من أرض جاسان الّتي يسكنونها ويتوزّعوا في شتّى أرض مصر أذلّاء مهانين .
ولا أرى أنّ فرعون قد أراد إخراج بني إسرائيل من مصر كلّها ، لأنّ هذا أحد مطالب موسى عليه السّلام من فرعون ، إلّا أنّ فرعون كان يرفضها دواما ، لئلا يحرم المصريين من عبيد أذلّاء مضطهدين ، والأخطر من هذا تخوّفه من تكوين جيش خارج مصر ، ثمّ عودتهم مقاتلين أشدّاء ، لينتزعوا ملك مصر من الأسرة الحاكمة وأنصارها وجنودها .
. . . فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً
( 103 ) : أي : فكانت عاقبة فرعون ومن خرج معه ليقاتلوا بني إسرائيل ، ويعيدوهم إلى الذّلّ والتّسخير والاستعباد ، أنّ اللّه بعظمة ربوبيّته أغرقهم جميعا .
وقد سبق تفصيل هذا الحدث ، لدى تدبّر لقطات سابقات في نجوم التّنزيل ، من قصّة موسى عليه السّلام ، وفرعون وملئه وجنوده .