تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 734

مساهمون:

ص٧٣٤
تجعلهم يمشون على ظهرها مستقرّين ثابتين ، وكانوا موضوعين مثل الإنس موضع الامتحان في الحياة الدّنيا ، لنزّل اللّه عليهم من السّماء ملكا رسولا ، يبلّغهم تعليمات الدّين ، ومطالب ربّ العالمين . وأتبع اللّه عزّ وجلّ هذا التّعليم بتعليم آخر يختصّ بكون محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم رسولا صادقا أرسله ربّ العالمين للنّاس أجمعين ، فقال اللّه جلّ جلاله :
قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
( 96 ) : أي : قل يا محمّد لمكذّبي أنّك رسول ربّك : إنّ اللّه يشهد لي بأنّي رسوله ، وكفى باللّه شهيدا بيني وبينكم يشهد لي . كفى باللّه شهيدا : أي : كفى اللّه ، فالباء زائدة للتّوكيد ، والمعنى : أغنى للّه حالة كونه شهيدا ، طالب تثبّت من كون محمّد رسول ربّه للنّاس أجمعين . وشهادة اللّه عزّ وجلّ لرسوله ، تظهر بمعجزة القرآن المجيد ، ثمّ بالآيات الخوارق الّتي آتاه اللّه إيّاها ، ومنها آية انشقاق القمر ، وآية الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والآيات الّتي سيؤتيه إيّاها مستقبلا ، بعد إنزال هذا البيان . وجاءت عبارة :
. . . إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
( 96 ) لإشعار المكذّبين بأنّ اللّه عليم علما تامّا بهم ، ناشئا عن خبرة ورؤية نافذة إلى الأعماق ، فمن يعلم أنّه بحاجة إلى التّوثّق من كون محمّد رسول اللّه ، يهيّىء اللّه له ما يوصله إلى الاستيقان بأنّ محمّدا رسول ربّ العالمي ، ومن يعلم أنّه مستيقن جاحد معاند ، يعامله اللّه بحسب ما في نفسه على وفق مقتضى حكمته . وبناء على علم اللّه بعباده علم خبرة ورؤية نافذة إلى أعماق السّرائر ، فإنّه جلّ جلاله يحكم بهدايّة من اهتدى باختياره الحرّ ، ويحكم بضلال من
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 734 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني