الممكن ، أوليس من المعقول ، أوليس من الحكمة ، أن يبعث اللّه بشرا رسولا ، ليبلّغ عنه مطلوباته من عباده ، وقضايا دينه الذي اختاره لهم . فمن يدّعي من البشر أنّه رسول اللّه يحمل للناس رسالة من ربّه ، هو مدّع كذّاب ، له غايات ومصالح دنّيويّة من إيمان الناس بأنّه رسول اللّه .
وجاء التّعليم الرّبّانيّ للرّدّ على هذه الشّبهة ، ببيان أنّ الحكمة تقتضي أن يكون الرّسول إلى البشر بشرا مثلهم ، لا ملكا كما يتوهّم المعترضون على بشريّة الرّسول ، فقال اللّه عزّ وجلّ لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويلحق به كلّ داع إلى اللّه من أمّته :
قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
( 95 ) :
مُطْمَئِنِّينَ
: أي : ثابتين على ظهر الأرض مستقرّين ، وليسوا نورانيّين لا تجذبهم الأرض بجاذبيّتها .
وفي الكلام هنا عبارة مطويّة محذوفة لفظا ، مقدّرة ذهنا ، تقديرها :
وكانوا موضوعين موضع الامتحان كالإنس ، واقتضت الحكمة إرسال رسول إليهم من نوعهم ، لنزّلنا عليهم من السّماء ملكا رسولا ، لأنّ الحكمة حينئذ تقتضي أن يكون الرّسول إليهم من نوعهم ملكا ، له مثل صفاتهم العامّة تماما .
وكذلك حال البشر ، تقتضي الحكمة السّنيّة أن يكون الرّسول إليهم بشرا مثل سائر البشر ، غرائزه مثل غرائزهم ، وشهواته مثل شهواتهم ، وحاجاته من الحياة الدّنيا مثل حاجاتهم ، كالطّعام والشّراب والنّكاح ، والعمل لاكتساب رزقه ، ونحو ذلك ، ليكون في إيمانه وإسلامه وكلّ سلوكاته حجّة عليهم .
فالمعنى : لو كان في الأرض ملائكة تجذبهم الأرض بجاذبيّتها ،