على وفق ما طلبوا تماما ، فكان من الحكمة تعذيبهم ، وإهلاكهم إهلاك استئصال .
فاللّه عزّ وجلّ لم يشأ أن يعرّض أهل مكّة البلد الحرام ، لعذاب شامل ، يهلكهم به إهلاك استئصال عامّ ، وهم الصّفّ الأوّل من قوم خاتم رسله وأنبيائه ، وفي كثير منهم قابليّة أن يؤمنوا ويسلموا بعد أنواع من العلاج الحكيم ، في بضع سنين ، يهلك اللّه فيها الكبراء المعاندين بجحود ، الّذين يمنعون أتباعهم من الإيمان والإسلام ، وهذا ما تحقّق فعلا بعد بضع سنين ، ثمّ بعد فتح مكة .
فالمعنى :
وَما مَنَعَنا
وفق مقتضيات الحكمة ، من
أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ
المقترحات من الخوارق المادّيّة ، الّتي طلبها أهل الجحود من كبراء وأئمّة مشركي مكّة
إِلَّا
ما قضت به حكمتنا بعد
أَنْ
كشفنا للنّاس بالتّجربة أنّ المستيقنين الجاحدين لا يؤمنون ، ولو أجرينا لهم الخوارق الّتي يطلبون ، فقد
كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
ومن أمثلة المكذّبين الأوّلين أنّنا
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ
المعجزة الخارقة للعادة ، على وفق ما اقترحوا على رسولهم صالح ، وكانت هذه الناقة
مُبْصِرَةً
لهم ، إذ جعلتهم يدركون آية الحقّ بأبصارهم
فَظَلَمُوا
جاحدين
بِهَا
وظلموا بعقرها ، فاستحقّوا العذاب الشامل المستأصل .
وبعد أن كشفنا للنّاس طبائع المكذّبين الجاحدين بتجربة كفّار ثمود ، صار من الحكمة أن لا نستجيب لمطالب الكافرين التّعنّتيّة ، وأن تكون آياتنا آيات تخويف على أنّنا قادرون على أن نفعل ما نشاء
. . . وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
( 59 ) أي : وما نرسل بالآيات إلّا لتحمل للنّاس رسالة تخويف لهم بعذابنا ، وهذه الآيات نختارها ونجريها بحكمتنا ، ولا نجعل خرق سنننا الكونيّة ألعوبة للمتشهّين المتعنّتين الجحودين ، الّذين كذّبوا رسولنا بعد أن أريناهم آيات صدقه الخوارق ، وكذّبوا بكتابنا الّذي ننزّل