هذه الآية تتعلّق بالقضيّة الأولى من القضايا الأربع ، الّتي ذكرتها في التمهيد .
وقد دلّت هذه الآية على أنّ كبراء كفّار مكّة طلبوا من الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن يجري اللّه له آيات خوارق اقترحوها ، كأن ينحّي عنهم جبال مكّة ، أو أن يجعل بعض جبالها أو بعض مواضع منها ذهبا ، كما أخرج لصالح عليه السّلام النّاقة من صخرة عيّنها قومه وكانت قصّة هذه النّاقة ، وقصّة صالح عليه السّلام وقومه ثمود متداولة بينهم ، وكأن يأتيهم بآيات كآيات موسى عليه السّلام ، وآيات عيسى عليه السّلام .
فأبان اللّه عزّ وجلّ أنّه قادر على إرسال ما يطلبون وما يقترحون من آيات خارقات ، من نوع الآيات المادّيّات اللّواتي تدركن بالحواسّ الظاهرة ، إلّا أنّ من سنّته - جلّت حكمته - أنّه إذا استجاب لمطالب القوم ، فأجرى لرسوله الآية أو الآيات الّتي اقترحوها أو الّتي يقترحونها ، فلم يؤمنوا أن يهلكهم بعذاب ، ويستأصل شأفتهم ، إذ لا يكون من الحكمة إمهالهم وتأخيرهم إلى آجالهم .
وقد أثبتت التجارب البشريّة ، أنّ الخوارق الّتي يقترحها الكافرون المعاندون الجاحدون ، على رسل ربّهم ، إذا أجراها اللّه عزّ وجلّ فإنّها لا تغيّر من واقع حالهم شيئا ، إذ هم في قلوبهم مستيقنون ، إلّا أنّهم جاحدون ، وما يقترحونه من آيات خوارق ، لا يعدو أن تكون مطالب تعنّتيّة ، وليس من الحكمة أن يخرق اللّه عزّ وجلّ سننه في كونه للجاحدين المتعنّتين ، الّذين يطرحون المطالب على سبيل التّشهّي والتّلاعب بالسّنن الرّبّانيّة .
ومن الأمثلة الواقعيّة في تاريخ الأمم أنّ كفّار ثمود لم يؤمنوا ، على الرّغم من أنّ اللّه عزّ وجلّ استجاب لطلبهم ، فأخرج لهم معجزة النّاقة
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 663
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٦٣