أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً
: أي : أو سنعذّبها عذابا شديدا دون عذاب الاستئصال . وهذا يدلّ على أنّ القرى الّتي سيعذّبها لا تبلغ مبلغ عذاب الاستئصال بالإهلاك الشامل ، وهذه ربّما تكون مسلمة ، إلّا أنّ كثرة معاصيها من دون الكفر قد جعلتها تستحقّ أن ينزل اللّه بها عذابا شديدا ، ولو كان هذا العذاب بأيدي النّاس من الجبابرة أو الكفرة ، وهذا العذاب قد وجدنا أمثلة كثيرة منه ، في تاريخ النّاس ، وفي بلدان المسلمين ، فكم تعرّض المسلمون لعذاب شديد في قراهم وعواصمهم الكبرى على أيدي أعدائهم الكفرة ، ولو كانوا من أعراقهم وأقوامهم والنّاطقين بلغاتهم .
فلا حاجة بعد هذا الفهم لتخصيص لفظ « قرية » في عبارة :
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ
بوصف : « كافرة » فالتعميم في العبارة يشمل القرى الّتي يكون أهلها كافرين ، والقرى الّتي ينتمي أهلها إلى الإسلام ، فقد سبق في علم اللّه أنّ كلّ مجمّع سكنيّ للنّاس ، سيمرّ أهله في مستقبل تاريخ البشريّة في مرحلة يكونون فيها كافرين طغاة يستحقّون الإهلاك الشامل ، كما أهلك اللّه بعدله وجبروت ربوبيّته قوم نوح ، وعادا ، وثمود ، وقوم لوط ، وقوم شعيب . أو في مرحلة من التّمادي في المعاصي يكونون فيها مستحقّين أن ينزل اللّه بهم عذابا شديدا .
وهذا الذي سبق في علم اللّه بشأن مستقبل تاريخ الناس ، مكتوب مسطور في اللّوح المحفوظ ، دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في الآية :
. . . كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً
( 58 ) : أي : كان بيان ذلك الإهلاك أو العذاب الشّديد الوارد في الآية مدوّنا مكتوبا في اللّوح المحفوظ ، من قبل أن يخلق اللّه النّاس ، ويضع الممتحنين منهم موضع الامتحان الفعليّ في الحياة الدّنيا .
مسطورا : أي : مكتوبا كتابة يعلمها اللّه عزّ وجلّ . يقال لغة : « سطر الكتاب ، يسطره ، سطرا » أي : كتبه .
وأريد بلفظ « الكتاب » هنا في الآية ، اللّوح المحفوظ ، للعلم من