يقال لغة : « حذر الشيء ، وحذر منه ، يحذر ، حذرا » أي : خافه واحترز منه ، فهو « حاذر » و « حذر » والشيء « محذور » و « محذور منه » .
وبعد أن عالج اللّه عزّ وجلّ المشركين ، وأمر بمعالجتهم ، لإقناعهم وقطع أعذارهم ، وأمر رسوله بأن يوصي المؤمنين بأن يقولوا المقالات الّتي هي أحسن ، وأن يصلحوا ما في سرائرهم الّتي يعلمها اللّه وقد يجازيهم على السّيّئات منها ، وألمح إلماحا خفيّا لرسوله بأنّه فضّله على العالمين ، وأمره بأن يعالج المشركين معالجة إقناعيّة تعتمد على اختبار تجريبيّ لآلهتهم ، وللرّبّ جل جلاله ، وأبان صفة المؤمنين الصادقين الّذين يستجيب دعواتهم ، انتقل إلى بيان أحوال النّاس المستقبليّة ، وأنّهم بمعاصيهم سيستحقّون إهلاكهم في قراهم ، أو إنزال عذاب شديد فيهم ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً
( 58 ) :
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ
: أي : وما من أهل قرية « إن » حرف نفي ، مثل « ما » ، و « من » جيء بها زائدة لإفادة الاستغراق .
القرية : كلّ مجمّع سكنيّ وتوابعه ، ولو كان مدينة عظمى جدّا .
إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها
:
يتحدّث اللّه عزّ وجلّ بضمير المتكلّم العظيم الدّالّ على عظمة ربوبيّته ، وأنّه هو القاهر فوق عباده .
مهلكوها : أي : سنهلكها إهلاك استئصال كإهلاك عاد وثمود ، وهذا يدلّ على أنّ القرى الّتي سيهلكها قد وصلت بكفرها وطغيانها إلى استحقاقها الإهلاك الشامل بحكمة اللّه عزّ وجلّ ، كما أهلك كفّار القرون السابقة .