وقد وصفهم اللّه في هذه الآية بصفات ثلاث :
الصّفة الأولى : أنّهم يبتغون إلى ربّهم الوسيلة ، باجتهادهم في صالحات الأعمال التي تجعلهم أقرب فأقرب منزلة من ربّهم ، وبتسابقهم في فعل الخيرات يظهر أيّهم أقرب من ربّه منزلة .
يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ
: أي : يطلبون إضافة إلى ما آتاهم ربّهم من فضله ، المنزلة ذات القرب منه ، باجتهادهم بنوافل العبادات والقربات ، ومعلوم أنّهم باجتهادهم يسابقون ، وبما أنّ المتسابقين من العبّاد لا بدّ أن يكونوا متفاضلين فيما بينهم ، فلا بدّ أن يكشف تسابقهم أيّهم أقرب فأقرب منزلة من ربّه .
يبتغون : أي : يطلبون .
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ؟
استفهام عن الأقرب يشعر بأنّ العبد كلّما كان أقرب منزلة من ربّه بمجاهدته ، كانت أدعيته لربّه أسرع استجابة وأكثر قبولا ، وآتاه اللّه سؤله ، ولو لم يكن مضطرّا ، فدلّت هذه العبارة باللّزوم الفكري على تسابقهم في التقرّب إلى اللّه ، وتفاضلهم في القرب .
والمعنى : أيّهم أقرب فهو أسرع استجابة ، وأكثر قبولا عند ربّه .
وما ظهر لي في هذا البيان القرآنيّ المختزل ، جاء بيانه صريحا واضحا في حديث قدسيّ صحيح ، رواه البخاريّ عن أبي هريرة ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« إنّ اللّه تعالى قال : من عادى لي وليّا فقعد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به ، وبصره الّذي يبصر به ، ويده الّتي يبطش بها ، ورجله الّتي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينّه ، وإن استعاذني لأعيذنّه ، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله