وبعد خطاب اللّه عزّ وجلّ المباشر للمؤمنين المسلمين ، خصّ اللّه رسوله محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بخطاب أشعره فيه بإلماح ضمنيّ دون أن يكون في اللّفظ ما يدلّ عليه ، بأنّه قد فضّله على سائر من خلق في السّماوات والأرض ، وهذا موصول بما بدأت به السّورة ، وما جاء في الآيات الأولى منها من إلماح إلى تفضيل الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بالإسراء والمعراج حتّى سدرة المنتهى ، ليريه من آياته ، وليسمعه من كلامه وحيا من وراء حجاب في ذلك المكان الرفيع .
فقال اللّه عزّ وجلّ لرسوله :
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً
( 55 ) :
أي : وربّك يا محمّد أعلم من كلّ ذي علم بمن في السّماوات والأرض ، وهنا مطويّ لم يذكر ، قد يدرك إلماحا من وراء سحاب ، من قبل بعض المتدبّرين وبالنّظر إلى السّياق ، أي : وبعلمنا بكلّ من في السماوات من ملائكة ، وكلّ من في الأرض من ملائكة وإنس وجنّ ، فضّلناك عليهم جميعا ، إذ آتيناك ما لم نؤت أحدا منهم من تكريم وتشريف .
وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ
كما فضّلناك على جميع من خلقنا في السّماوات والأرض .
. . . وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً
أي : ومن أمثلة تفضيل بعض النبيّين على بعض أنّنا آتينا داود زبورا فضّلناه به على كثير من أنبياء بني إسرائيل الّذين لم نؤتهم كتبا .
والزّبور الّذي آتاه اللّه عزّ وجلّ داود عليه السّلام كتاب حكم ومواعظ ونصائح ، ومناجاة للّه وتضرّع ودعاء ، وتمجيد وتقديس له وثناء ،