تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
والإقناعات ، وتنويع أساليب الترغيب والترهيب والتربية ، بحسب اختلاف طبائع الناس ، ومستويات قدرات الفهم لديهم ، وبحسب ما لدى أصنافهم من استعدادات للاستجابة ، وقدرة على مخالفة أهوائهم وشهواتهم ، ومخالفة المعتاد المألوف من الباطل أو الشّرّ ، أو ما فيه ضرّ أو أذى . ويستوفي هذا التّصريف كلّ الاحتمالات الّتي يرجى نفعها ولو لبعض الأفراد أو الجماعات ، لقطع أعذار المكلّفين ، حتّى لا تكون لهم حجّة عند ربّهم .
لِيَذَّكَّرُوا
: أصلها : « ليتذكّروا » أدغمت التّاء بالذّال فصارت ذالا مشدّدة . واللّام الجارّة معناها التعليل ، على تقدير لتهيئة كلّ ما من شأنه أن يتذكّروا به باختيارهم الحرّ ، وبهذا التّصريف تنقطع أعذارهم . وليس المراد : ليتحقّق تذكّرهم في الواقع ، فلو كان هذا هو المراد لتذكّروا جميعا ، لأنّ ما يريده اللّه لا يمكن أن يتخلّف . التّذكّر : استدعاء المعلومة المختزنة في الحافظة من جهاز المعرفة في النّفس ، إلى ساحة المدركات الحاضرة المشهودة بعين التّفكّر عند التّذكّر ، والغرض حثّ جهاز المعرفة على الاستبصار ، بغية إدراك الحقّ الّذي يهدي إليه التّصريف في القرآن ، فمن رأى الحقّ حقّا ، وكان لديه استعداد نفسيّ لأن يؤمن به ، ولو خالف أهواءه وشهواته ، ومطالبه من الحياة الدّنيا ، كان تذكّره قائده إلى الالتزام بالحقّ ، والالتزام بما يدعو إليه الحقّ من سلوك في رحلة امتحانه في الحياة الدّنيا . فالغرض من التّصريف في القرآن ، أن يكون وسيلة من الوسائل الّتي يتذكّر بها الّذين لم يستجيبوا بعد لدعوة الحقّ الرّبّانيّة ، وعندئذ ينتفع بالتّذكّر الّذين لديهم استعداد نفسيّ للاستجابة لدعوة الحقّ ، على مقدار ما لديهم من استعداد لمخالفة أهوائهم وشهواتهم ومطالب نفوسهم من الحياة الدّنيا ، وبهذا تتفاضل استجاباتهم .