تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 612

مساهمون:

ص٦١٢
لقد خلق اللّه النّاس في ظروف الحياة الدّنيا ليبلوهم أنّهم أحسن عملا ، أي : ليكشف درجاتهم في حسن العمل ، ويقابل هذا كشف دركاتهم في سوء العمل ، وهذا الابتلاء يستتبع في حكمة اللّه الحساب يوم الدّين ، وفصل القضاء ، ثمّ الجزاء بحسب الأحكام القضائيّة الّتي تصدر من اللّه عزّ وجلّ بشأن كلّ واحد منهم ، على ما كشف ابتلاؤه في رحلة الحياة الدّنيا ، ويعفو بحكمته عن كثير من سيّئاتهم . ولهذا حرّم اللّه عزّ وجلّ على عباده قتل النّفوس بغير حقّ ، لأنّ هذا يعارض حكمته في وضع النّفوس في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ، فالأصل في النّفس الإنسانيّة صيانتها من القتل ولو كانت كافرة بربّها . وقتل النّفس بوسيلة من الوسائل الّتي جعلها اللّه عزّ وجلّ أسبابا لانفصال الرّوح عنها ، إذ النّفوس هي الّتي تذوق الموت ، والإنسان مكوّن من نفس ، وجسد يحتوي على النّفس ذات الخصائص الّتي فطره اللّه عليها ، وروح تمدّ النّفس والجسد بالحياة ، كالآلة الكهربائيّة ذات الخصائص الّتي تعمل بمقتضاها ، إذا دخلت في أسلاكها الخاصّة الطاقة الكهربائيّة أدّت أعمالها ، وإذا انفصلت عنها الطاقة الكهربائية توقّفت عن العمل . ولأجساد الأحياء نظام ربّانيّ خاصّ ، فإذا أصيب ما جعله اللّه فيه مقتلا بإصابة قاتلة ، انفصلت فيه الرّوح عن النّفس ، فتذوق النّفس بهذا الانفصال الموت ، ويصير الجسد ميّتا ليس فيه حياة تجمع كلّ أعضائه الرّئيسة الّتي يكون بها حيّا . فمعنى قتل النّفس اتّخاذ وسيلة جعلها اللّه سببا لانفصال الرّوح عنها ، أمّا الإماتة بانفصال الرّوح عن النّفس فلا تكون إلّا بخلق اللّه أو إذنه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 612 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني