إلى جهة العنقّ ، إذ يدير جسمه إلى جهة الشّمال عن مواجهة الطالب ، فحركة اليد اليمنى تكون إلى جهة عنقه ، فيكون حينئذ بمثابة مغلول اليد إلى عنقه ، كان من بديع الكنايات أن يقال له :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
أي : لا تكن شحيحا ولا بخيلا في الإنفاق على نفسك وأهلك وعشيرتك وضيفك وغيرهم .
هذا التعبير الكنائي ، قد امتزجت فيه استعارة قائمة على تشبيه الشحيح بالأسير الّذي غلّت يده إلى عنقه ، فهو من الأمثلة الرّائعة الّتي امتزجت فيها الكناية بالإستعارة ، أو بالتشبيه ، على تقدير : ولا تجعل يدك كالمغلولة إلى عنقك .
ويوحي هذا التّعبير بأنّ الشّحيح يأسره شحّه ، فيجعل يده كالمغلولة إلى عنقه ، برباط من داخل نفسه .
وأمّا التّبذير والإسراف فقد جاء التّعبير عنهما بكناية بسط اليد بسطا كاملا ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
أي : ولا تبسطها البسط كلّه ، لأنّ بعض البسط محمود ، وهو الجود والكرم والتوسعة في البذل في غير معصية اللّه عزّ وجلّ ، ولكن دون أن يصل هذا إلى حدّ الخروج عن الحكمة والرّشد في التّصرّف .
وحينما تقتضي المصلحة الإسلاميّة بذل كلّ شيء يكون بذله إيثارا حكيما ، وعملا رشيدا ، وإحسانا رفيعا ، وهو كالتضحية بالنّفس جهادا في سبيل اللّه ، وعلى هذا يحمل ما فعل « أبو بكر » رضي اللّه عنه . حينما جاء إلى الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بكلّ ما يملك لتمويل القتال في سبيل اللّه ، فقال الرسول له : ماذا تركت لعيالك ؟ فقال : تركت لهم اللّه ورسوله .
وفي ختام هذه الوصيّة بالقصد في الإنفاق قال اللّه عزّ وجل :
فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
: