أقول : كلّ إنفاق في معصية اللّه هو من التّبذير ، وكلّ إنفاق يزيد على تحقيق المطلوب للنّفوس ممّا أباح اللّه هو من التّبذير ، وكلّ إنفاق فيه ضرّ أو أذى هو من التّبذير ، وكلّ إنفاق عشوائيّ لا تعرف فيه مواقع المال المبذول هو من التبذير ، وهو عبث لا تفعله العقلاء .
فمن التبذير إنفاق الأموال في شراء المسكرات ، والمخدّرات ، والمفتّرات .
ومن التّبذير ما يزيد على حاجات المدعوّين في الولائم ، ثمّ يرمى الزائد في القمامات .
ومن التّبذير إنفاق أموال كثيرة في إطلاق قذائف ناريّة تري في الجوّ ما يعجب النّظر ، وتنطفئ في عدد من الثواني .
ومن التّبذير ما يصنع من ثياب مزركشة مزخرفة للنّساء ، لحضور حفلات يتباهين بها على قريناتهنّ ، وهي ذوات قيم باهظة الثّمن ولا تلبس إلّا لحفلة أو حفلتين .
ومن التّبذير ما يبذل من أموال للأوثان الّتي تزيّن بها القصور .
ومن التّبذير ما تزخرف به القصور للتّباهي والتّفاخر ، مع حصول متعة الأنفس بما هو دون ذلك ، ولا سيما تغليف جدرانها وأعمدتها ونحو ذلك بصفائح الذّهب والفضّة .
ومن كان دخله الشّهريّ يكفيه ويكفي أسرته لو اقتصد وأنفق بعقل وحكمة ، فصار ينفقه في نصف شهر أو في ثلثي شهر ، فهو من المبّذّرين .
وجاء في عبارة الوصيّة التّوكيد بالمفعول المطلق :
وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً
للدّلالة على أنّ إنفافات ممّا يحكم عليها أهل العقل والرّشد بأنّها من التّبذير ، إذ المعنى : ولا تبذّر تبذيرا واضحا يحكم عليه أصحاب العقول المجرّبون الخبيرون بأنّه من التّبذير .