ووصف اللّه المبذّرين بأنّهم أخوان الشّياطين ، أي : مصاحبوهم والمتآثّرون بوساوسهم ونزغاتهم ، والسّبب في هذا أنّ انعدام الرّشد في الإنفاق لديهم ، يجعلهم عرضة للتأثّر بنزغ شيطانيّ يضغط على هوى طارئ لديهم ، فيندفعون لتحقيقه مهما بذلوا من أموال فيه ، إذ ليس لديهم ضابط إراديّ يتحكّم بأهوائهم ، وتستخفّهم شياطين الإنس والجنّ ، ويستدرجونهم من المباحات إلى المكروهات ، فإلى المحرّمات الصّغرى ، فإلى الكبائر الكبرى ، ثمّ إلى الكفر والعياذ باللّه ، وذلك بحسب غلبة سلطان الهوى والشهوات على كلّ فرد من أفرادهم .
فقول اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
( 27 ) قد دلّ على هذا بنصّه وبلوازمه الفكريّة .
وفعل « كان » في هذا النّصّ يدلّ على الكينونة الدّائمة ، أي : إنّ المبذّرين هم إخوان الشّياطين دواما ، والشيطان كفور لربّه دواما .
وقد جاءت هذه الوصيّة الخامسة : ( النّهي عن التّبذير ) بمثابة بيان ملحق بالوصيّة الرّابعة ( الأمر بإيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل ) ولهذا جاءت الآية ( 28 ) متمّمة للبيان الّذي جاء في الوصيّة الرّابعة ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً
( 28 ) :
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ
: في التحليل النّحوي ، مثل
إِمَّا يَبْلُغَنَّ
الّتي سبق بيانها في الآية ( 23 ) .
فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً
: أي : قولا حسنا سهلا عليك أن تقوله ، فالقول الحسن سهل على كلّ ناطق أن يقوله ، إذ لا كلفة فيه ، ومن القول الميسور الوعد الجميل ، والاعتذار المقبول .
الميسور : الشيء الميسّر السّهل اللّيّن المنقاد ، وتقول : يسّرت له القول : أي : ليّنته له .