الرّحمة : الّتي يدعو بها الولد لوالديه تشمل دفع كلّ سوء عنهما وجلب كلّ خير لهما . ولا يخفى ما في جعل الوصيّة الثانية الأمر بالإحسان للوالدين والنهي عن عقوقهما من العناية العظيمة بها .
الوصيّة الثالثة : الأمر بجعل المكسوبات الإراديّة النفسيّة مكسوبات صالحات ، على وفق ما هدى اللّه إليه عباده من أعمال القلوب والنفوس الإراديّة ، كالإيمان الصحيح الصادق بما أوجب اللّه الإيمان به ، وكالنيّات بابتغاء مرضاة اللّه من وراء الأعمال الّتي أمر بها ، وكحبّ الحقّ والخير وطاعة اللّه ، وكراهية الباطل والشّرّ ومعصية اللّه .
دلّ على هذه الوصيّة قول اللّه عزّ وجلّ في هذا الدّرس :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً
( 25 ) :
لم يأت التكليف في هذه الوصيّة تكليفا مباشرا بأمر أو نهي ، وإنّما جاء بأسلوب الكناية ، ولم يأت بأسلوب الخطاب الإفرادي كبعض النظائر السابقة ، وإنّما جاء الخطاب فيها عامّا لكلّ الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان .
المعنى : أنتم مطالبون بالإيمان ، وبابتغاء طاعة ربّكم والتّقرّب إليه في نيّاتكم من وراء أعمالكم ، ومطالبون بالتّسليم الكامل له في أوامره ونواهيه ، وسائر تكاليفه وأحكامه ، وقضائه وقدره ، ومطالبون بحبّ الحقّ والخير والفضائل والمتحلّين بها ، وبكراهية الباطل والشّرّ والرذائل وبغض أصحابها ، ومطالبون بأن لا تحسدوا النّاس على ما آتاهم حسدا مذموما ، ومطالبون بابتغاء مرضاة اللّه وأن تكونوا مخلصين له فيما تقومون به من برّ للوالدين ، إلى غير ذلك من أعمال النفوس الإرادية ، وربّكم أعلم بما في نفوسكم ، وهو يجازيكم عليها بعدله أو فضله .
واعلموا أنّكم إن كنتم صالحين في نفوسكم ، بإيمان صحيح صادق