تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 599

مساهمون:

ص٥٩٩
( 2 ) التّذلّل لهمتا ، والتواضع بين أيديهما ، تخفيفا على أنفسهما من مشاعر الضّعف والتناقص في مختلف القوى ، وهي مشاعر غير سارّة بعد ما كانا عليه في شبابهما وكهولتهما من قوّة ونشاط وحيويّة ، إذ يجدان في ولدهما ما فقداه في أنفسهما ، فقال اللّه عزّ وجل للولد :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
في هذه العبارة تشبيه التذلّل للوالدين بتذلّل الطائر حين يخفض جناحه منكسرا لفراخه أو لزوجه أو لغيرهما ، ولكن أضمر التّشبيه ، فلم يذكر لفظ المشّبّه به ، وإنّما كنّي عنه بشيء من صفاته ، وهو الجناح ، وأضيف هذا المكنّى به إلى المشبّه . وهذا على ما ظهر لي هو من التشبيه البليغ المكنّى فيه عن المشبّه به ببعض لوازمه « 1 » . فالمعنى : ليكن أيّها الولد ذلّك لوالديك ، كطائر يخفض جناحه تذلّلا من الرّحمة . الخفض في اللّغة : التواضع ولين الجانب ، والميل إلى المنخفض المطمئنّ من الأرض ، وهو ضدّ الرّفع . وذكر قيد :
مِنَ الرَّحْمَةِ
لاستبعاد التّذلّل نفاقا ظاهريّا ، أو بدافع الطّمع بشيء من أموالهما ، أو نحو ذلك من مصالح دنيويّة . ( 3 ) الدّعاء لهما ، إذ دعاء الولد لوالدية هو من أعمالهما ، ولوماتا . فقال اللّه عزّ وجلّ للولد :
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
. الكاف في
كَما
للتعليل ، أي : لأجل أنّهما ربّياني حالة كوني صغيرا ، لا أستطيع أن أقوم بشؤوني لنفسي .
هامش
( 1 ) وهذا ما أثبته في كتابي « البلاغة العربية ، أسسها وعلومها وفنونها » ولم أر هذه العبارة من باب الاستعارة ، بل هي من التشبيه المكني .