تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
الدّنيا ، يريد باستمرار حتّى نهاية رحلة امتحانه ، لذّاته ، وأنواع متاعه من الحياة الدنيا العاجلة ، كافرا الآخرة ولا يسعى للنّعيم فيها سعيا ما ، قدّمنا له عجالة من متاع الحياة الدّنيا ، بمشيئتنا المقترنة بحكمتنا وعلمنا بعبدنا الّذي نعجّل له ، لكن لا حظّ له يوم الدّين بشيء من نعيم الجنّة ، بل جعلنا له جهنّم دار عذاب المجرمين يوم القيامة يحترق بنارها حالة كونه مذموما ملوما مطرودا بعنف وشدّة عن تنزّلات رحماتنا . قول اللّه عزّ وجلّ :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
( 19 ) : اختلف أسلوب التّعبير هنا عن أسلوب التعبير في الآية السابقة ، فجاء هنا :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ
بدل
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ
وأفهم من هذا أنّ اللّه عزّ وجلّ قد جعل لمن كان يريد العاجلة معظم حياته بتجدّد ، إمكان أن يتوب قبل موته بزمن كاف لأن يؤمن ويعمل عملا صالحا يسعى به للظّفر بجنّات النعيم يوم الدّين ، ولو لم يكن في حياته يريد الآخرة بتجدّد في زمن طويل من عمره . ولكنّ إرادة ثواب الآخرة في جنّات النّعيم ، لا تنفع المريد ما لم يقترن بها إيمان صحيح صادق بما أوجب اللّه الإيمان به ، في الدّين الّذي اصطفاه لعباده ، وعمل صالح ظاهر أو باطن يكون معبّرا في السّلوك عن صدق الإيمان . دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في الآية :
وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ
: ومن هذا السّعي في العمل الظاهر : إعلان كلمة التوحيد ، والصّلاة للّه وحده لا شريك له ، وأداء أيّ ركن آخر من أركان الإسلام . ومن هذا السّعي في العمل الباطن العزم على التزام شرائع الإسلام ، والرّضا عن اللّه ، والتسلم القلبيّ والنّفسيّ له ، وحبّ اللّه