فمعنى الآية بعد هذا البيان : أنّ اللّه عزّ وجلّ يمدّ بعطاءاته من الدنيا في ظروف الحياة الدّنيا الّتي جعلها لابتلاء عباده ، هؤلاء الكافرين وغلاة العصاة ، وهؤلاء المؤمنين والمتقين ، على وفق حكمته وعلمه بكلّ فرد من أفرادهم ، وما كان عطاء ربّك ايّها المستفهم عن حكمته ممنوعا عن الكافرين وغلاة العصاة في رحلة امتحانهم ، فالامتحان الأمثل يقتضي هذا ، وبما أنّ عطاءات اللّه تكون على وفق حكمته وعلمه بكلّ فرد من عبّاده ، وبما أنّ الأفراد متفاضلون في تكوين اللّه لأجسادهم وخصائصها ولخصائص نفوسهم ، فلا بدّ أن يكونوا متفاضلين في عطاءات اللّه لهم .
[ محظورا ] : أي : ممنوعا .
وقد أبان اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الزّخرف / 43 مصحف / 63 نزول ) حكمته في أنّه لم يخصّ الكافرين بالعطاء الواسع من زينات الحياة الدّنيا ، باعتبار أنّ الأعمار في الحياة الدّنيا قصيرة ، وأنّ الدّنيا لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة ، أمّا المؤمنون فلهم يوم الدّين نعيم عظيم جدّا يكونون فيه خالدين بلا نهاية .
هذه الحكمة هي أنّ تفضيل الكافرين بالعطاء الواسع من زينات الحياة الدّنيا ، فتنة للّذين لديهم استعداد لأن يؤمنوا ، إذ تضعف مقاومتهم تجاه مغريات الحياة الدنيا ، فيختارون سبل الكفر والعصيان ، لتكون لهم حظوظ واسعة من زينات الحياة الدّنيا ، وبهذا يكون الناس باستثناء المعصومين منهم بعصمة اللّه ، أمّة واحدة كافرة .
فقال اللّه عزّ وجلّ فيها :
43 / 35 - 33
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 591
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٥٩١