تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
ونسأل نحويّا متمكّنا : كيف تعرب « شربه العسلا » ؟ . فيقول : مفعول مطلق مبيّن للنوّع ، وأصل العبارة : شرب شرب مزيج ماء وعسل ، لكنّه كان في الواقع مخطئا في تقديره ، إذ شرب في حقيقة الأمر سمّا ، فجاء التعبير الموجز : شرب السّمّ شربه العسلا . بعد هذه المقدّمة يسهل على المتدبّر فهم النّصّ القرآنيّ ، في آية هذا الدرس . فالمعنى : ويدعو الإنسان بالشّرّ في حقيقة الأمر الخافية عليه ، دعاءه بالخير الّذي يتهيّأ له بتعجّله وقصر نظره وعدم شمول معرفته . والسّبب كونه عجولا يتّبع أهواءه وشهواته ، فتلقي غشاوة على بصيرته . وقياسا على المثال الذي ذكرته آنفا يمكن إعراب « دعاءه بالخير » مفعولا مطلقا مبيّنا للنّوع ، وبهذا يظهر معنى الآية ظهورا واضحا خاليا من إشكالات ترد عليه . وفعل : « يدعو » بمعنى يدعو ربّه ، أو يطلب على أيّ وجه ، يقال لغة : « دعا بالشّيء ، دعوا ، ودعوة ، ودعاء ، ودعوى » أي : طلب إحضاره ، أو إيجاده ، أو فعله ، أو نحو ذلك . الإنسان : المراد به هنا جنس الإنسان بوجه عامّ ، وما جاء في هذه الآية ينطبق على أكثر الناس لا على جميع أفرادهم ، لأنّ من آتاه اللّه عقلا ورشدا وبصيرة واعية ، فإنّه إذا رغب في شيء دعا ربّه قائلا : اللّهمّ إن كان في هذا الشيء خير لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فيسّره لي ، واقض لي به ، وإن كان فيه شرّ لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله ، فاصرفه عنّي واصرفني عنه ، وأقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضّني به ، أو نحو هذا الدّعاء . وإذا ضاقت عليه الحياة وتكاثرت عليه الآلام ورغب في الموت