بينهما محكم التدبير ، وسبح في مدار لا تحيد عنه دقيق المسير ، أن يكونا آيتين دالّتين على ربوبيّتنا الّتي لا يشاركنا فيها أحد ، وعلى عنايتنا بعبادنا الّذين جعلنا الأرض مكان سكناهم في رحلة امتحانهم في الحياة الأولى .
الآية : العلامة الظاهرة الدّالّة على أمر ما .
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
.
محو الشيء : إذهاب أثره . يقال لغة : « محت الرّيح السّحاب » أي :
أذهبته ولم تبق له أثرا .
ومعلوم أنّ اللّيل هو محو للمرئيّات عن أن ترى بالأبصار ، بسبب ذهاب الضّوء الكاشف لها . لكن إذا بقي ضوء ما ، أو نور ما ، كنور القمر ، أو أضواء النجوم ، فإنّ المقدار الّذي أصابه المحو من المرئيّات هو اللّيل في الحقيقة ، لأنّ اللّيل محو ، وحين ينعدم كلّ ضوء أو نور كاشف فهو ليل كامل ، ودون ذلك يسمّى ليلا باعتبار النّسبة الغالبة التي أصابها محو الرّؤية .
مبصرة : أي : مسبّبة لإبصار أصحاب العيون السّليمة الأشياء القابلة لأن تبصرها ، قال أبو إسحاق : معنى : « مبصرة » تبصّرهم ، وقال الأخفش :
تبصّرهم فتجعلهم بصراء ، وهذا المعنى هو الملائم هنا فيما أرى .
المعنى ؛ فجعلنا آية اللّيل محوا للمرئيّات عن أن ترى بالأبصار ، بسبب انعدام الكاشف لها من ضياء أو نور ، وجعلنا آية النّهار مسبّبة لإبصار أصحاب العيون السّليمة لها .
ولكلّ من المحو والكشف منافعه الجليلة بالنّسبة إلى الناس .
لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
: هذه العبارة جاءت لبيان إمكان ابتغاء الرّزق وغيره من فضل اللّه في كلّ من اللّيل والنّهار ، دون حرج ، فيما أرى .