تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
( 2 ) ويحبّ اللصّ استلاب أموال النّاس بغير حقّ ، إذ يرى هذا أعجل وسيلة لاكتساب الثّروة الكبيرة ، لكنّ لصوصيّته تجلب له شرّا كبيرا وعذابا أليما . فالشيء الّذي رآه بتعجّله خيرا له ، هو في حقيقته شرّ له . ( 3 ) ويعشق شابّ غرّ إحدى الفاسقات الماجنات اللّعوب ، ويطلب بإلحاح أن يتزوّجها ، ظانّا أنّه إذا تزوّجها نال خيرا عظيما ، ولا يسمع فيها نصح ناصح مجرّب حكيم . لكنّه ما يلبث بعد أن يتزوّجها حتّى يبكي بكاء الثكلى من الشّرّ المستطير الّذي جلبته إليه هذه الماجنة ، وعلّته أنّه طلب اللّذة العاجلة ، ولم ينظر إلى المستقبل الّذي حذّره منه أهل العقل والرّشد والتجارب . فالشيء نفسه الّذي رآه بتعجّله خيرا له ، هو في حقيقته شرّ له . ( 4 ) وأكثر النّاس يحبّون لذّاتهم من الحياة الدّنيا وأنواع متاعها ، ويغترّون بزيناتها ، فيتركون الآخرة وما فيها من نعيم عظيم خالد ، وقد يكفرون بها ، فيكون ما أحبّوه من الدنيا شرّا مستطيرا ، وجالبا لهم في آخرتهم عذابا كبيرا . وفي كلّ هذا يقال للمتعجّل المغرور : طلب لنفسه الشرّ في حقيقة الأمر ، بطلبه لنفسه ما رآه بتعجّله وقصر نظره خيرا له . وأضرب مثلا قصّة أمير طلب عسلا مذابا بالماء ، فدسّ فيه بعض أعدائه سمّا قاتلا ، فشربه متلذّذا به . فقال أعرابيّ فصيح علم بالأمر شعرا :
من سيحمي نفس الأمير وقد * شرب السّمّ شربه العسلا
أي : شرب السّمّ في حقيقة الأمر شربه العسل في ظنّه واعتقاده .