تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 83 ) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 84 ) .

تمهيد :

اقتضت الحكمة البيانيّة التّعقيب على قصّة فرعون وملئه الّذين أرادوا العلوّ في الأرض ، فانزلقوا إلى كفر وجرائم حرمتهم من السعادة بنعيم الجنّة يوم الدّين ، وجعلتهم من أهل العذاب خالدين في الجحيم ، يذوقون عذاب الحريق . والتعقيب على قصّة قارون الّذي أراد العلوّ في الأرض ، فأنزلق إلى مثل ما أنزلق إليه فرعون وملؤه . والغرض من هذا التّعقيب ، بيان أنّ إرادة العلوّ في الأرض ، إذا اتّجهت في الإنسان اتّجاها جازما مسيطرا على مشاعره وتصوّراته فلا بدّ أن تنطمس بصيرته ، ومتّى انطمست بصيرته انزلق إلى جهة الحضيض في أفكاره ومفهوماته ، وفي حركات نفسه وسكناتها ، وفي أخلاقه وتصرّفاته ، وفي سلوكه داخل المجتمع البشريّ ، آثما ظالما معتديا جبّارا مفسدا ، وربما زاد في انزلاقه حتّى بلغ حضيض الكفر بربّه وبمطالبه من عباده ، في رحلة الحياة الدّنيا ، رحلة الامتحان والابتلاء . ولا بدّ أن يخسر من سعادة الدّار الآخرة ونعيمها على مقدار انزلاقه هابطا في اتّجاه الحضيض ، ثمّ يستحق من العذاب في جهنّم على مقدار هبوطه في ارتكاب كبائر الإثم ، والجرائم الفكرية والنفسيّة والسّلوكيّة ، فإذا بلغ حضيض الكفر كان في الدّرك الأسفل من النّار . واستدعى هذا البيان ذكر الخطّة الكلّيّة العامّة للجزاء الرّبّانيّ يوم الدّين ، وبيان أنّ الجزاء لا يقتصر على العقاب المعجلّ كما حصل لفرعون وقارون ، من إغراق وخسف ، بل الجزاء الأساس هو الذي يكون يوم الدّين ، وما جرى في الدّنيا للمهلكين هو من التّدبيرات العاجلات ،